{فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ} أي: المخبر بما يسرّه من أمر يوسف: {أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ} أي: طرح البشير القميص على وجه يعقوب ، أو ألقاه يعقوب نفسه على وجهه: {فَارْتَدَّ بَصِيراً} أي: عاد بصيراً لما حدث فيه من السرور والانتعاش: {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: من حياة يوسف ، وإنزال الفرج ، وجوَّز كون: {إِنِّي أَعْلَمُ} كلاماً مبتدأ . والمقول: {لاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ} إن كان الخطاب لبنيه . أو: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} إن كان لحفدته ومن عنده .
{قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} الضمير لبنيه . طلبوا أن يستغفر لهم لما فرط منهم ، أو لحفدته ومن عنده لقولهم: {إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} والأول أقرب وأصوب .
ولما كان من حق المعترف بذنبه أن يُصفح عنه ، ويسأل له المغفرة ، وعدهم بذلك .
{قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} أي: سوف أدعوه لكم ، فإنه المتجاوز عن السيئات ، الرحيم لمن تاب .
قال المهايمي: صرحوا بالذنوب دون الله ؛ لمزيد اهتمامهم بها ، وكأنهم غلب عليهم النظر إلى قهره . وصرح يعقوب بذكر الرب دون الذنوب ، إذ لا مقدار لها بالنظر إلى رحمته التي ربى بها الكل . انتهى .
وهذا من دقائق لطائف التنزيل ومحاسنها فيه .
تنبيه:
قيل: في هذه الآيات دلالة على جواز التبشير ببشائر الدنيا واستحبابه ، وجواز السرور بحصول النعم الحاصلة في الدنيا . وفيها دلالة على إرجاء الاستغفار والدعاء لوقت يرى أنه أحضر فيه قلباً من غيره أو أنه أفضل وأقرب للإجابة .