{وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} أي: خرجت من مصر . يقال: فصل القوم عن المكان وانفصلوا ، بمعنى فارقوه: {قَالَ أَبُوهُمْ} أي: لحفدته ومن حوله من قومه ، من عظم اشتياقه ليوسف ، وانتظاره لروح الله: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} الريح: الرائحة ، توجد في النسيم . لأتنسم رائحته مقبلة إلي ، كناية عن تحققه وجوده بما ألقى الله في روعه من حياته ، وساق إليه من نسائم البشارة الغيبية بسلامته . وقد كان عظم رجاؤه بذلك من مولاه ، ووثق بنيل مأموله ومبتغاه ، ولذلك نهى بنيه عن الاستيئاس من روح الله . وإذا دنا أجل الضراء أخذت تهب نسائم الفرج حاملة عرف السراء ، يدري ذلك كل من قوي إحساسه ، وعظمت فطنته ، واستنارت بصيرته ، فيكاد أن يلمس في نهاية الشدة زهر الفرج ، ولا يحنث إن آلى أنه يجد من نسيمه أزكى الفرج . عرف ذلك من عرف ، فأحرى بمن نالوا من النبوة ذروة الشرف .
وإضافة الريح إلى الولد معروفة في كلامهم: وفي حديث عند الطبراني: ( ريح الولد من ريح الجنة ) وقال الشاعر:
يا حبذا ريح الولد ريح الخزامى في البلد
وقوله: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} بمعنى إلا أنكم تفندون . أو لولاه لصدقتموني . و (فنده) نسبه إلى الفند بفتحتين . وهو ضعف الرأي والعقل من الهرم وكبر السن .
قال في"العناية": مأخوذ من الفند ، وهو الحجر والصخرة ، كأنه جعل حجراً لقلة فهمه ، كما قال:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا
ثم اتسع فيه فقيل: فنده ، إذا ضعف رأيه ، ولامه على ما فعله .
وقوله تعالى:
{قَالُواْ} أي: حفدته ومن عنده: {تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} أي: لفي ذهابك عن الصواب المتقدم ، في إفراطك في محبة يوسف ، ولهجتك بذكره ، ورجائك للقائه ، وكان عندهم أنه مات أو تشتت ، فاستحال الاجتماع به ، وجعله فيه لتمكنه ودوامه عليه .