وقد جوز في قوله: {يَأْتِ بَصِيراً} أن يكون معناه: يصير بصيراً ، أو يجيء إليَّ بصيراً ، على حقيقة الإتيان فـ (بصيراً) حال . قيل: ينصره قوله: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} أي: بأبي وغيره ، وفيه نظر ؛ لأن اتحاد الفعلين هنا في المبنى لا يدل على اتحادهما في المعنى . ولا يقال: الأصل الحقيقة ؛ لأن ذلك فيما يقتضيه السياق ، ولا اقتضاء هنا . فالأول أرق وأبدع ، لما فيه من التجانس .
روي أن يوسف عليه السلام ، بعد أن دعا لهم بالمغفرة قال لهم: إن الله بعثني أمامكم لأحييكم ، وقد مضت سنتا جوع في الأرض وبقي خمس سنين ، ليس فيها حرث ولا حصاد . فأرسلني الله أمامكم ليجعل لكم بقية في الأرض ، ويستبقيكم لنجاة عظيمة . وقد جعلني سبحانه أباً لفرعون ، وسيداً لجميع أهله ، ومتسلطاً على جميع أرض مصر ، فبادروا وأشخصوا إلى أبي ، وأخبروه بجميع مجدي بمصر ، وما رأيتموه ، وقولوا له: كذا قال ابنك يوسف: قد جعلني الله سيداً لجميع المصريين ، فهلم إلي ، فتقم في أرض جاسان ، وتكون قريباً مني أنت وبنوك ، وبنو بنيك ، ومواشيك ، وجميع ما هو لك ، وأعولك ، ها هنا ، فقد بقي خمس سنين مجدبة ، فأخشى أن يهلك الأهل والمال . وكان نما الخبر إلى بيت فرعون . وقيل: جاء إخوة يوسف ، فسر بذلك فرعون وخاصته ، وأمره أيضاً بأن يؤكد عليهم إتيانهم بأبيهم وأهلهم ، ووعدهم خير أرض في مصر تكون لهم ؛ لئلا يأسفوا على ما خلفوا . ثم زود يوسف إخوته أحسن زاد ، وأعطاهم من الحلل والثياب والدراهم مقداراً وافراً ، وبعث إلى أبيه بمثل ذلك ، وأصحبهم عجلات لأطفالهم ونسائهم ، وأوصاهم ألا يتخاصموا في الطريق - والله أعلم - .
وقوله تعالى: