فمعنى الآية يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر واحاط بنا جميعا المضيقة وسوء الحال وجئنا إليك ببضاعة مزجاة ومتاع قليل لا يعدل ما نسألك من الطعام غير انه نهاية ما في وسعنا فأوف لنا الكيل وتصدق علينا وكأنهم يريدون به اخاهم أو اياه والطعام ان الله يجزى المتصدقين خيرا.
وقد بدؤا القول بخطاب"يا أيها العزيز"وختموه بما في معنى الدعاء واتوا خلاله بذكر سوء حالهم والاعتراف بقلة بضاعتهم وسؤاله ان يتصدق عليهم وهو من أمر السؤال والموقف موقف الاسترحام ممن لا يستحق ذلك لسوء سابقته وهم عصبة قد اصطفوا امام عزيز مصر.
وعند ذلك تمت الكلمة الإلهية انه سيرفع يوسف واخاه ويضع عنده سائر بنى يعقوب لظلمهم ولذلك لم يلبث يوسف (عليه السلام) دون ان اجابهم بقوله"هل علمتم ما فعلتم بيوسف واخيه"وعرفهم نفسه وقد كان يمكنه (عليه السلام) ان يخبر اباه واخوته مكانه وانه بمصر طول هذه المدة غير القصيرة لكن الله سبحانه شاء ان يوقف اخوته امامه ومعه اخوه المحسود موقف المذلة والمسكنة وهو متك على اريكه العزة.
قوله تعالى قال:"هل علمتم ما فعلتم بيوسف واخيه إذ أنتم جاهلون"انما يخاطب المخطئ المجرم بمثل هل علمت وأتدرى وأرايت ونحوها وهو عالم بما فعل لتذكيره جزاء عمله ووبال ذنبه لكنه (عليه السلام) اعقب استفهامه بقوله"إذ أنتم جاهلون"وفيه تلقين عذر.
فقوله"هل علمتم ما فعلتم بيوسف واخيه"مجرد تذكير لعملهم بهما من غير توبيخ ومؤاخذة ليعرفهم من الله عليه وعلى اخيه وهذا من عجيب فتوة يوسف (عليه السلام) ويا لها من فتوة.
قوله تعالى:"قالواء انك لانت يوسف قال انا يوسف وهذا اخى قد من الله علينا"إلى آخر الآية تأكيد الجملة المستفهم عنها للدلالة على ان الشواهد القطعية قامت على تحقق مضمونها وإنما يستفهم لمجرد الاعتراف فحسب.