{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} ؛ أي: حقق الله سبحانه وتعالى أن يرجع إليَّ يوسف وبنيامين والأخ الثالث الباقي بمصر، وقد كان لديه إلهام بأن يوسف لم يمت وإن غاب عنه خبره، وإنما قال يعقوب هذه المقالة؛ لأنه لما طال حزنه واشتد بلائه، ومحنته علم أن الله سيجعل له فرجًا ومخرجًا عن قريب، فقال ذلك على سبيل حسن الظن بالله عَزَّ وَجَلَّ؛ لأنه إذا اشتد البلاء وعظم كان أسرع إلى الفرج. {إِنَّهُ} سبحانه وتعالى {هُوَ الْعَلِيمُ} بفقدي لهم وحزني ووجدي عليهم، وله فينا حكمة بالغة {الْحَكِيمُ} في أفعاله فيبتلي ويرفع البلاء على مقتضى سننه وحكمته في تدبير خلقه، وقد جرت سنته أنَّ الشدة إذا تناهت جعل وراءها فرجًا، والمصيبة إذا عظمت جعل بعدها المخلص منها كما قال: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) } .
84 - {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} ؛ أي: أعرض عنهم كراهة لما جاءوا به؛ أي: وأعرض يعقوب عن بنيه حين بلغوه خبر بنيامين، فحينئذ تناهى حزنه واشتد بلاؤه، وبلغ جهده وهيج حزنه على يوسف، فعند ذلك أعرض عنهم.
وقال: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ؛ أي: يا حزني ويا حسرتي على يوسف أقبلي إلي فهذا وقتك، والحال مقتضية لك، فقد كنت أنتظر أن يأتوني من مصر ببشرى لقاء يوسف، فخاب أملي وحلّ محله ذهاب ابني المسلي عنه، ولم يشرك معه بنيامين بالأسف عليه؛ لأن مكان حب يوسف والرجاء فيه قد ملأ سويداء القلب وزواياه، ومحل غيره دون ذلك.
قال الزجاج: الأصل يا أسفي فأبدل من الياء ألفًا لخفة الفتحة، والأسف: شدة الجزع، وقيل: شدة الحزن.
قال يعقوب هذه المقالة لما بلغ منه غاية مبالغة بسبب فراقه ليوسف، وانضمام فراقه لأخيه بنيامين، وبلوغ ما بلغه من كونه أسيرًا عند ملك مصر، فتضاعفت أحزانه وهاج عليه الوجد القديم بما أثاره من الخبر الأخير.
وقد روي عن سعيد بن جبير: أن يعقوب لم يكن عنده ما ثبت في شريعتنا من الاسترجاع والصبر على المصائب، ولو كان عنده ذلك لما قال: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ، ومعنى المناداة للأسف طلب حضوره، كأنه قال: تعالَ يا أسفي وأقبل إلي.