وقيل: إن المفاضلة ليست على بابها، والمعنى عليه: والله تعالى أعلم؛ أي: عالم علمًا بالغًا إلى أقصى المراتب بأن الأمر ليس كما تصفون من صدور السرقة منا، بل إنما هو افتراء علينا، فالصيغة لمجرد المبالغة لا لتفضيل علمه على علمهم، كيف لا وليس لهم بذلك من علم.
روي: أنهم كلموا العزيز في إطلاق بنيامين، فقال روبيل: أيها الملك لتردن إلينا أخانا، أو لأصيحن صيحة تضع منها الحوامل في مصر، وقامت شعور جسده، فخرجت من ثيابه، وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لا يطاقون، خلا أنه إذا مس من غضب واحد منهم .. سكن غضبه، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنبه فمسه. ويروى: خذ بيده فمسه، فسكن غضبه، فقال روبيل: إن هنا لبذرًا من بذر يعقوب، فقال يوسف: مَنْ يعقوب؟ ولما رأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وأرادوا أن يستعطفوه ليطلق لهم أخاه بنيامين، فيرجعوا به إلى أبيهم؛ لأنه قد أخذ عليهم الميثاق بأن يردوه إليه
78 -و {قَالُوا} له مستعطفين {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ} ؛ أي: يا أيها الملك {إِنَّ لَهُ أَبًا} ؛ أي: إن لبنيامين {أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} ؛ أي: طاعنًا في سن الكبر لا يكاد يستطيع فراقه، وهو علالته التي يتعلل بها عن شقيقه الهالك، أو هو كبير القدر جدير بالرعاية كما علمت مما سلف في قصصه ومن تعلقه به {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} ؛ أي: بدله على وجه الاسترهان أو الاسترقاق،
فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة عنده. ثم عللوا رجاءهم في إجابته بقولهم: {إِنَّا نَرَاكَ} أيها الملك {مِنَ الْمُحْسِنِينَ} إلينا في ميرتنا وضيافتنا وتجهيزنا، فأتم إحسانك إلينا بهذه النعمة، فما الإنعام إلا بالإتمام، أو المعنى: إن من عادتك الإحسان مطلقًا، فاجر على عادتك ولا تغيرها، فنحن أحق الناس بذلك.
79 -فأجابهم يوسف عن مقالتهم هذه بقوله: {مَعَاذَ اللَّهِ} من إضافة المصدر إلى المفعول به؛ أي: نعوذ باللهِ معاذًا من {أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} ؛ أي: إلا من وجدنا صواعنا عنده مدسوسًا في رحله، وهو بنيامين لأنا قد أخذناه بفتواكم: {مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} فلا يسوغ لنا أن نخل بموجبها.