وقوله تعالى: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} قال المفسرون: سألوه مساهلتهم في النقد وإعطائهم بدراهمهم مثل ما يعطى بغيرها من الجياد، إذ كانوا قد باعوا بها متاعهم في مدينته، فسألوه أن يأخذها منهم ولا ينقصهم.
وقوله تعالى: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} أكثر المفسرين على أن هذا التصدق معناه: المسامحة بما بين الثمنين، وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد، وعلى هذا سمي ذلك تصدقًا؛ لأن الذي سألوه كان مُشْبهًا للتصدق، وليس هو تصدقًا على ما يسبق إليه الظن، قاله أبو بكر، وعلى هذا لا تدل الآية على أن الصدقة كانت تحل لهم، واستدل سفيان بن عيينة على أن الصدقة كانت حلًّا للأنبياء قبل نبينا محمد عليه السلام بهذه الآية، وعلى قول سفيان: سألوه أن يتصدق عليهم بشيء زيادة على ما يستحقونه ببضاعتهم المزجاة، وقول العامة: أشبه بحال الأنبياء وأولاد الأنبياء؛
إذ هم يأنفون عن الخضوع للمخلوقين، ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغناء بأقسامه، وروي عن الحسن ومجاهد: أنهما كرها أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق عليّ؛ لأن الصدقة ممن يبتغي الثواب. والتصدق إعطاء الصدقة، فالمتصدق المعطي، وأجاز الليث أن يقال: للسائل متصدق، وأبى ذلك أهل اللغة.
89 -قوله تعالى: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ} قال ابن عباس: كان يعقوب قد كتب إلى يوسف كتابًا برد ابنه عليه لما حبسه عنده بعلة السَّرق، وذكر فيه قصته ومحبتهن، فلما قرأ الكتاب ارتعدت مفاصله، واقشعر جلده، ولسان قلبه، وأرخى عينيه بالبكاء، وعيل صبره، ولم يتمالك نفسه فباح بما كان يكتم.