وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَإِنْ كَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْهٌ، فَلَيْسَ بِالْقَوْلِ الْمُخْتَارِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} لِأَنَّ الصَّدَقَةَ فِي الْمُتَعَارَفِ: إِنَّمَا هِيَ إِعْطَاءُ الرَّجُلِ ذَا الْحَاجَةِ بَعْضَ أَمْلَاكِهِ ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةً، فَتَوْجِيهُ تَأْوِيلِ كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْأَغْلَبِ مِنْ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ مَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) }
ذُكِرَ أَنَّ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَمَّا قَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ: {يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ، مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرَّ، وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ، فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا، إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} أَدْرَكَتْهُ الرِّقَةُ وَبَاحَ لَهُمْ بِمَا كَانَ يَكْتُمُهُمْ مِنْ شَأْنِهِ.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:"ذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ لَمَّا كَلَّمُوهُ بِهَذَا الْكَلَامِ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَارْفَضَّ دَمْعُهُ بَاكِيًا، ثُمَّ بِاحَ لَهُمْ بِالَّذِي يَكْتُمُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} وَلَمْ يَعْنِ بِذِكْرِ أَخِيهِ مَا صَنَعَهُ هُوَ فِيهِ حِينَ أَخَذَهُ، وَلَكِنْ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ، إِذْ صَنَعُوا بِيُوسُفَ مَا صَنَعُوا"
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: هَلْ تَذْكُرُونَ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ، إِذْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا وَصَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ، يَعْنِي فِي حَالِ جَهْلِكُمْ بِعَاقِبَةِ مَا تَفْعَلُونَ بِيُوسُفَ، وَمَا إِلَيْهِ صَائِرُ أَمْرِهِ وَأَمْرِكُمْ؟