يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «فَأَحْرَضَنِي» : أَذَابَنِي فَتَرَكَنِي مُحْرَضًا، يُقَالُ مِنْهُ: رَجُلٌ حَرَضٌ، وَامْرَأَةٌ حَرَضٌ، وَقَوْمٌ حَرَضٌ، وَرَجُلَانِ حَرَضٌ، عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَفِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ لِلذَّكَرِ: حَارِضٌ، وَلِلْأُنْثَى حَارِضَةٌ، فَإِذَا وُصِفَ بِهَذَا اللَّفْظِ ثُنِّيَ وَجُمِعُ وَذُكِّرَ وَأُنِّثَ، وَوُحِّدَ حَرَضٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَمْ يَدْخُلْهُ التَّأْنِيثُ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، فَإِذَا أُخْرِجَ عَلَى فَاعِلٍ عَلَى تَقْدِيرِ الْأَسْمَاءِ لَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ الْأَسْمَاءَ مِنَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ سَمَاعًا: رَجُلٌ مُحْرَضٌ: إِذَا كَانَ وَجِعًا، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ بَيْتًا:
طَلَبَتْهُ الْخَيْلُ يَوْمًا كَامِلًا ... وَلَوَ الْفَتْهُ لَأَضْحَى مُحْرَضَا
وَذُكِرَ أَنَّ مِنْهُ قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ:
[البحر الطويل]
أَرَى الْمَرْءَ ذَا الْأَذْوَادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ... كَإِحْرَاضِ بَكْرٍ فِي الدِّيَارِ مَرِيضِ
عَنْ مُجَاهِدٍ: {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} قَالَ: «دُونَ الْمَوْتِ»
عَنْ قَتَادَةَ: {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} حَتَّى تَبْلَى أَوْ تَهْرَمَ""
عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ:"الْحَرَضُ: الشَّيْءُ الْبَالِي الْفَانِي"
وَقَوْلُهُ: {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}
يَقُولُ: أَوْ تَكُونُ مِمَّنْ هَلَكَ بِالْمَوْتِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ يَعْقُوبُ لِلْقَائِلِينَ لَهُ مِنْ وَلَدِهِ {تَالَلَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} :"لَسْتُ إِلَيْكُمْ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي، وَإِنَّمَا أَشْكُو ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي} مَا أَشْكُوَ هَمِّي {وَحُزْنِي} إِلَّا {إِلَى اللَّهِ} ."
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ يَعْقُوبُ عَنْ عِلْمٍ بِاللَّهِ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} لَمَّا رَأَى مِنْ فَظَاظَتِهِمْ وَغِلْظَتِهِمْ وَسُوءِ لَفِظِهِمْ لَهُ: لَمْ أَشْكُ ذَلِكَ إِلَيْكُمْ""