وعن ابن عباس أيضاً: أن إخوته لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه ، وكان في قرنه علامة ، وكان ليعقوب مثلها شِبْه الشامة ، فلما قال لهم: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} رفع التاج عنه فعرفوه ، فقالوا:"أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ".
وقال ابن عباس: كتب يعقوب إليه يطلب ردّ ابنه ، وفي الكتاب: من يعقوب صفيّ الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد فإنّا أهل بيت بلاء ومِحَن ، ابتلى الله جدّي إبراهيم بنمروذ وناره ، ثم ابتلى أبي إسحاق بالذبح ، ثم ابتلاني بولد كان لي أحبّ أولادي إليّ حتى كُفَّ بصري من البكاء ، وإني لم أسرق ولم ألِدْ سارقاً والسلام.
فلما قرأ يوسف الكتاب ارتعدت مفاصله ، واقشعرّ جلده ، وأرخى عينيه بالبكاء ، وعِيلَ صبره فباح بالسرّ.
وقرأ ابن كثِير"إنَّكَ"على الخبر ، ويجوز أن تكون هذه القراءة استفهاماً كقوله: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ} [الشعراء: 26] .
{قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ} أي أنا المظلوم والمراد قتله ، ولم يقل أنا هو تعظيماً للقصة.
{قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَآ} أي بالنجاة والملك.
{إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ} أي يتق الله ويصبر على المصائب وعن المعاصي.
{فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} أي الصابرين في بلائه ، القائمين بطاعته.
وقرأ ابن كثِير:"إنَّهُ مَنْ يَتَّقيِ"بإثبات الياء ؛ والقراءة بها جائزة على أن تجعل"مَنْ"بمعنى الذي ، وتدخل"يَتَّقيِ"في الصلة ، فتثبت الياء لا غير ، وترفع"ويصبر".
وقد يجوز أن تجزم"ويصبر"على أن تجعل"يتقي"في موضع جزم و"من"للشرط ، وتثبت الياء ، وتجعل علامة الجزم حذف الضمة التي كانت في الياء على الأصل ؛ كما قال:
ثم نادِي إذا دَخلتَ دِمَشْقاً ...
يا يزيدُ بنَ خالدِ بنِ يزيد
وقال آخر:
ألم يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِي ...
بما لاَقَتْ لَبُونُ بنيِ زيادِ