وقوله: {فعلتم بيوسف وأخيه} يريد من التفريق بينهما في الصغر والتمرس بهما وإذاية بنيامين. بعد مغيب يوسف. فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه ، ولم يشر إلى قصة بنيامين الآخرة لأنهم لم يفعلوا هم فيها شيئاً ، ونسبهم إما إلى جهل المعصية ، وإما إلى جهل الشباب وقلة الحنكة ، فلما خاطبهم هذه المخاطبة - ويشبه أن يكون قد اقترن بها من هيئته وبشره وتبسمه ما دلهم - تنبهوا ووقع لهم من الظن القوي أنه يوسف ، فخاطبوه مستفهمين استفهام مقرر.
وقرأت فرقة"أأنك يوسف"بتحقيق الهمزتين ، وقرأت فرقة بإدخال ألف بين همزتين وتحقيقهما"أإنك"، وقرأت فرقة بتسهيل الثانية"إنك"، وقرأ ابن محيصن وقتادة وابن كثير"إنك"على الخبر وتأكيده وقرأ أبي بن كعب"أأنك أو أنت يوسف"قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا على حذف خبر"إن"كأنه قال: أئنك لغير يوسف أو أنت يوسف؟ وحكى أبو عمرو الداني: أن في قراءة أبي بن كعب:"أو أنت يوسف"وتأولت فرقة ممن قرأ"إنك"إنها استفهام بإسقاط حرف الاستفهام ، فأجابهم يوسف كاشفاً أمره قال: {أنا يوسف وهذا أخي} وقال مجاهد: أراد {من يتق} في ترك المعصية ويصبر في السجن. وقال إبراهيم النخعي: المعنى: {من يتق} الزنى ويصبر على العزوبة.
قال القاضي أبو محمد: ومقصد اللفظ إنما هو العموم في العظائم ، وإنما قال هذان ما خصصا ، لأنها كانت من نوازله ، ولو فرضنا نزول غيرها به لاتقى وصبر.
وقرأ الجمهور"من يتق ويصبر"وقرأ ابن كثير وحده:"ومن يتق ويصبر"بإثبات الياء ، واختلف في وجه ذلك ، فقيل: قدر الياء متحركة وجعل الجزم في حذف الحركة ، وهذا كما قال الشاعر: [الوافر]
ألم يأتيك والأنباء تنمي... بما لاقت لبون بني زياد