ومثال هذا هو قول الحق سبحانه: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ} [النحل: 116] .
أي: أن ما تقولونه يُوحي من تلقاء نفسه أنه كَذِب ، وهكذا نعرف أن كلمة"تَصِف"وكلمة"تصفون"غلب في استعمالهما للكلام الذي يحمل معه دليلَ كَذِبه .
ويأتي الحق سبحانه بما جاء على ألسنتهم بعد ذلك:
{قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ}
وهكذا دخلوا مع يوسف في نقاش ، وبدأوا في الاستعطاف ؛ بقولهم:
{إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ...} [يوسف: 78] .
ونلحظ أن كلمة"كبير"تُطلق إطلاقات متعددة ، إنْ أردتَ الكِبَر في السنِّ تكون من"كَبرَ يَكْبَر"، وإنْ أردتَ الكِبَرَ في المقام تقول:"كَبُرَ يَكبُر".
والحق سبحانه يقول: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} [الكهف: 5] .
والكِبَر واحد من معاني العظمة ، أما الكِبَرُ في السِّنِّ فهو مختلف ؛ وهنا قالوا:
{إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ...} [يوسف: 78] .
قد تكون ترقيقاً بالعزة ، أو ترقيقاً بالضعف .
أي: إن له أباً شيخاً كبيراً عظيماً في قومه ؛ وحين يُبلغه أن ابنه قد احتُجز من أجل سرقة ، فهذا أمر مؤلم ؛ ولك أن تُقدِّر ذلك وأنت عزيز مصر ؛ ونرجو أن تحفظ للأب شرفه ومَجْده وعظمته ، واسْتُرْ ذلك الأمر من أجل خاطر ومكانة والده .
أو: أن يكون قولهم مقصوداً به ، أن الأب شيخ مُهدَّم ، لا يحتمل الصدمة ، وخصوصاً أن له ابناً قد فُقِد .
ثم يعرضون عَرْضاً آخر ، فيقولون:
{فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} [يوسف: 78] .
أي: أنهم سألوه أن يُتمِّمَ إحسانه عليهم ، فقد أحسن استقبالهم ؛ وسبق أن أنزلهم منزلاً كريماً ، وأعطاهم المَيْرة ، ولم يأخذ بضائعهم ثمناً لها .