وكل حدث يحدث للمَلَكات المستقيمة ؛ لا بُدَّ أن يُخرج تلك المَلَكات عن وضعها ، ونرى ذلك لحظة أن يتفوَّه واحد بكلمة تُخرج إنساناً مستقيماً عن حاله وتُنغِّصه ، ويدرك بها الإنسان المستقيم ما يؤلمه ؛ وينفعل انفعالاً يجعله ينزع للردِّ .
ولذلك يوصينا صلى الله عليه وسلم:"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس ؛ فإن ذهب عنه الغضب ؛ وإلا فليضطجع".
كي يساعد نفسه على كَظْم ضيقه وغضبه ، ولِيُسرِّب جزءاً من الطاقة التي تشحنه بالانفعال .
ولكن يوسف عليه السلام لم ينزع إلى الرد ، لذلك قال الحق سبحانه:
{فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ...} [يوسف: 77] .
وكان يستطيع أن يقول لهم ما حدث له من عمَّته التي اتهمته بالباطل أنه سرق ؛ لتحتفظ به في حضانتها من فَرْط حُبِّها له ، لكن يوسف عليه السلام أراد أن يظل مجهولاً بالنسبة لهم ، لتأخذ الأمور مجراها:
{فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ . .} [يوسف: 77] .
حدث ذلك رغم أن قولهم قد أثَّر فيه ، ولكن قال رأيه فيهم لنفسه:
{أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77] .
لأنكم أنتم مَنْ أخذتموني طفلاً لألعب ؛ ثم ألقيتموني في الجب ؛ وتركتم أبي بلا موانسة .
.وأنا لم أسرق بل سُرِقت ، وهكذا سرقتم ابناً من أبيه .
وهو إنْ قال هذا في نفسه فلا بُدَّ أن انفعاله بهذا القول قد ظهر على ملامحه ، وقد يظهر المعنى على الملامح ، ليصِلَ إليهم المعنى ، والقول ليس إلا ألفاظاً يصل به مدلول الكلام إلى مُسْتمع .
وقد وصل المعنى من خلال انفعال يوسف .
وقوله: {والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77] .
أي: أنه سبحانه أعلم بما تنعتون ، وتظهرون العلامات والسِّمات ، وغلبت كلمة"تصفون"على الكلام .