ولما كان ربما ظن ظان أنه بكتهم بها بعد ذلك ، نفى هذا الظن بقوله تعالى: {ولم يبدها} أي أصلاً {لهم} فكأنه قيل: فما قولته التي أسرها في نفسه؟ فقيل: {قال أنتم شر مكاناً} أي من يوسف وأخيه ، لأن ما نسب إليهما من الشر إنما هو ظاهراً لأمر خير اقتضاه ، وأما أنتم ففعلتكم بيوسف شر مقصود منكم ظاهراً وباطناً ، ونسبة الشر إلى مكانهم أعظم من نسبته إليهم ، وإنما قدم الإخبار بالإسرار مع اقترانه بالإضمار قبل الذكر ، لئلا يظن بادئ بدء أنهم سمعوا ما وصفهم به من الشر {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {أعلم بما تصفون} منكم ، وأنه ليس كما قلتم ؛ والوصف: كلمة مشتقة من أصل من الأصول لتجري على مذكور فتفرق بينه وبين غيره بطريق النقيض كالفرق بين العالم والجاهل ونحوهما ، فكأنه قيل: إن ذلك القول على فحشه ليس مغنياً عنهم ولا عن أبيهم شيئاً ، فهل اقتصروا عليه؟ فقيل: لا ، بل {قالوا} التماساً لما يغنيهم: {يا أَيُّهَا العزيز} فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم {إن له} أي هذا الذي وجد الصواع في رحله {أباً شيخاً كبيراً} أي في سنه وقدره وهو مغرم به ، لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه {فخذ أحدنا مكانه} وأحسن إلى أبيه بإرساله إليه {إنا نراك} أي نعلمك علماً هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه {من المحسنين} أي العريقين في صفة الإحسان ، فأجر في أمرنا على عادة إحسانك ، فكأنه قيل: فما أجابهم؟ قيل: {قال معاذ الله} أي نعوذ بالذي لا مثل معاذاً عظيماً {أن نأخذ} أي لأجل هذا الأمر {إلا من} أي الشخص الذي {وجدنا متاعنا عنده} ولم يقل: سرق متاعنا ، لأنه - كما أنه لم يفعل في الصواع فعل السارق - لم يقع منه قبل ذلك ما يصحح إطلاق الوصف عليه ؛ علل ذلك بقوله: {إنا إذاً} أي إذا أخذنا أحداً مكانه {لظالمون} أي عريقون في الظلم في دينكم ، فلم تطلبون ما هو ظلم عندكم.
ذكر ما بعد ما سلف من هذه القصة من التوراة