أبو عبيدة عن الكسائي: زعمت به أزعم زعمًا وزعامة، أي: كفلت به، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شريعتهم، وقد حكم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله:"الزعيم غارم".
فإن قيل: هذه كفالة بشيء مجهول، قلنا: حمل بعير من الطعام كان معلومًا عندهم فصحت الكفالة به، غير أن هذا كفالة مال لرد سرقة، وهو كفالة ما لم يجب؛ لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئًا على رد السرقة، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم.
73 -وقوله تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ} قال الفراء: العرب لا تقول: تالرحمن، ولا يجعلون مكان الواو تاء إلا في الله، وذلك أنها أكثر الأيمان مجرى في الكلام، فتوهموا أن الواو منها لكثرتها في الكلام وأبدلوها تاء، كما قالوا: التراث وتترى، وهو من المواترة والتُّخمة والتُّجاه، وقال البصريون: الواو في (والله) بدل من التاء، والتاء بدل من الواو، فضعفت عن التصريف في سائر الأسماء، وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله جل وعز. وإنما جاز إبدال التاء من الواو؛ لأنهما من حروف الزوائد والبدل، والتاء أقرب حروف البدل إلى الواو.
وقوله تعالى: {لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ} قال المفسرون وجميع أهل المعاني: حلفوا على علمهم بذلك؛ لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا يظلمون أحدًا ولا يرزأون شيئًا لأحد في سفرهم، ولا يعيثون في بستان أحد ولا زرعه، حتى يُرْوَى أنهم قد كمَّموا أفواه إبلهم لئلا تعيث في زرع، ومن كانت هذه صفته فهو غير قاصد لفساد.
وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} وذلك أنهم لما وجدوا بضاعتهم (في رحالهم لم يستحلوا أخذها وبادروا بردها، قالوا: فلو كنا سارقين لم نردد بضاعتكم) حين أصبناها مع أمتعتنا، ومن رد ما وجده كيف يكون سارقًا.