وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَ الْكُلَّ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ سَبَّبَ الْأَسْبَابَ، وَرَكَّبَ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ؛ فَالْجَاهِلُ إذَا رَأَى مَوْجُودًا بَعْدَ مَوْجُودٍ، أَوْ مَوْجُودًا مُرْتَبِطًا فِي الْعِيَانِ بِمَوْجُودٍ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ إلَى الرَّابِطَةِ مَنْسُوبٌ، وَعَلَيْهَا فِي الْفِعْلِ مَحْسُوبٌ، وَحَاشَ لِلَّهِ، بَلْ الْكُلُّ لَهُ، وَالتَّدْبِيرُ تَدْبِيرُهُ، وَالِارْتِبَاطُ تَقْدِيرُهُ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ لَهُ.
وَمِنْ أَبْدَعِ مَا خَلَقَ النَّفْسُ؛ رَكَّبَهَا فِي الْجِسْمِ، وَجَعَلَهَا مَعْلُومَةً لِلْعَبْدِ ضَرُورَةً، مَجْهُولَةَ الْكَيْفِيَّةِ، إنْ جَاءَ يُنْكِرُهَا لَمْ يَقْدِرْ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ تَأْثِيرِهَا عَلَى الْبَدَنِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَإِنْ أَرَادَ الْمَعْرِفَةَ بِهَا لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِنَّهُ
لَا يَعْلَمُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَنْسُبُهَا، وَلَا عَلَى أَيْ مَعْنًى يَقِيسُهَا، وَضَعَهَا اللَّهُ الْمُدَبِّرُ فِي الْبَدَنِ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ لِيُمَيِّزَ الْإِيمَانَ بِهِ؛ إذْ يُعْلَمُ بِأَفْعَالِهِ ضَرُورَةً، وَلَا يُوصَلُ إلَى كَيْفِيَّتِهِ لِعَدَمِهَا فِيهِ، وَاسْتِحَالَتِهَا عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ.