قال ابن السائب: لما قص الساقي رؤياه على يوسف ، قال له: ما أحسن ما رأيت! أما الأغصان الثلاثة ، فثلاثة أيام ، يبعث إِليك الملك عند انقضائها ، فيردك إِلى عملك ، فتعود كأحسن ما كنت فيه ، وقال للخبَّاز: بئس ما رأيت ، السلال الثلاث ، ثلاثة أيام ، ثم يبعث إِليك الملك عند انقضائهن ، فيقتلك ويصلبك ويأكل الطير من رأسك ، فقالا: ما رأينا شيئاً ، فقال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} أي: فُرغ منه ، وسيقع بكما ، صدقتما أو كذبتما.
فإن قيل: لم حتّم على وقوع التأويل ، وربما صدق تأويل الرؤيا وكذب؟ فعنه جوابان.
أحدهما: أنه حتم ذلك لوحي أتاه من الله ، وسبيل المنام المكذوب فيه أن لا يقع تأويله ، فلما قال:"قضي الأمر"دل على أنه بوحي.
والثاني: أنه لم يحتم ، بدليل قوله:"وقال للذي ظنَّ أنه ناجٍ منهما"، قال أصحاب هذا الجواب: معنى"قضي الأمر": قُطع الجواب الذي التمستماه من جهتي ، ولم يعنِ أن الأمر واقع بكما.
وقال أصحاب الجواب الأول: الظن هاهنا بمعنى العلم.
قوله تعالى: {وقال للذي ظن أنه ناجٍ منهما} يعني الساقي.
وفي هذا الظن قولان:
أحدهما: أنه بمعنى العلم ، قاله ابن عباس.
والثاني: أنه الظن الذي يخالف اليقين ، قاله قتادة.
قوله تعالى: {اذكرني عند ربك} أي: عند صاحبك ، وهو الملك ، وقل له: إِن في السجن غلاماً حُبس ظلماً.
واسم الملك: الوليد بن الريّان.
قوله تعالى: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} فيه قولان:
أحدهما: فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف لربه ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال ابن إِسحاق.
والثاني: فأنسى الشيطان يوسف ذكر ربه ، وأمره بذكر الملك ابتغاءَ الفرج من عنده ، قاله مجاهد ، ومقاتل ، والزجاج ، وهذا نسيان عمد ، لا نسيان سهو ، وعكسه القول الذي قبله.
قوله تعالى: {فلبث في السجن بضع سنين} أي: غير ما كان قد لبث قبل ذلك.
عقوبة له على تعلُّقه بمخلوق.