قوله تعالى: {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة} ذكر النّساء جملة ليدخل فيهنّ امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح حتى لا يقع عليها تصريح ؛ وذلك حُسن عشرة وأدب ؛ وفي الكلام محذوف ، أي فاسأله أن يتعرّف ما بال النّسوة.
قال ابن عباس: فأرسل الملك إلى النسوة وإلى امرأة العزيز وكان قد مات العزيز فدعاهنّ فَ {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ} أي ما شأنكنّ.
{إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} وذلك أن كل واحدة منهنّ كلمت يوسف في حق نفسها ، على ما تقدّم ، أو أراد قول كل واحدة قد ظلمت امرأة العزيز ، فكان ذلك مراودة منهنّ.
{قُلْنَ حَاشَ للَّهِ} أي معاذ الله.
{مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سواء} أي زِنًى.
{قَالَتِ امرأة العزيز الآن حَصْحَصَ الحق} لما رأت إقرارهنّ ببراءة يوسف ، وخافت أن يشهدن عليها إن أنكرت أقرّت هي أيضاً ؛ وكان ذلك لطفاً من الله بيوسف.
و"حَصْحَصَ الْحَقُّ"أي تبيّن وظهر ؛ وأصله حَصَصَ ، فقيل: حَصْحَصَ ؛ كما قال: كُبْكِبُوا في كببوا ، وكفكف في كفف ؛ قاله الزجاج وغيره.
وأصل الحَصّ استئصال الشيء ؛ يقال: حصَّ شعره إذا استأصله جَزًّا ؛ قال أبو القيس بن الأسْلَت:
قد حَصّتِ البيْضَةُ رأسِي فَمَا ...
أطْعَمُ نوماً غيرَ تَهْجاعِ
وسَنَةٌ حصّاء أي جرداء لا خير فيها ، قال جَرير:
يأوِي إليكم بلاَ مَنٍّ ولا جَحَدٍ ...
مَن ساقه السَّنةُ الحَصَّاءُ والذِّيبُ
كأنه أراد أن يقول: والضّبع ، وهي السنة المجدبة ؛ فوضع الذئب موضعه لأجل القافية ؛ فمعنى"حَصْحَص الْحَقُّ"أي انقطع عن الباطل بظهوره وثباته ؛ قال:
أَلاَ مُبْلِغٌ عنِّي خِدَاشاً فإنَّهُ ...
كذوبٌ إذا ما حَصْحَصَ الحقُّ ظالمُ
وقيل: هو مشتق من الحِصّة ؛ فالمعنى بانت حِصّة الحق من حصّة الباطل.
وقال مجاهد وقتَادة: وأصله مأخوذ من قولهم ؛ حَصَّ شَعْره إذا استأصل قطعه ؛ ومنه الحصَّة من الأرض إذا قطعت منها.