ويتكلم الحق سبحانه عن ذلك فيقول: {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: 4] .
أي: بدون أن يضرك ، ودون أن يُلجِئك هذا الطعام إلى المُهْضِمات من العقاقير .
وهذا هو المقصود من قول الحق سبحانه: {هَنِيئاً ...} [النساء: 4] ، أما المقصود بقوله: {مَّرِيئاً} [النساء: 4] .
فهو الطعام الذي يفيد ويمدُّ الجسم بالطاقة فقط ؛ وقد لا يُستساغ طعمه .
وهنا قال الحق سبحانه:
{ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} [يوسف: 48] .
وبطبيعة الحال نفهم أن السنوات ليست هي التي تأكل ؛ بل البشر الذين يعيشون في تلك السنوات هم الذين يأكلون .
ونحن نفهم ذلك ؛ لأننا نعلم أن أي حدث يحتاج لزمان ولمكان ؛ ومرة يُنسب الحَدث للزمان ؛ ومرة يُنسب الحَدث للمكان .
والمثال على نسبة الحَدث للمكان هو قول الحق سبحانه: {وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا والعير ...} [يوسف: 82] .
وطبعاً نفهم أن المقصود هو سؤال أهل القرية التي كانوا فيها ، وأصحاب القوافل التي كانت معهم .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ؛ نجد الحدث منسوباً للزمان ؛ وهم سيأكلون مما أحصنوا إلا قليلاً ؛ لأنهم بعد أن يأكلوا لا بد لهم من الاحتفاظ بكمية من الحبوب والبُذُور لاستخدامها كتقاوي في العام التالي لسبع سنوات موصوفة بالجدب .
وقوله تعالى:
{مِّمَّا تُحْصِنُونَ} [يوسف: 48] .
نجده من مادة"حصن"وتفيد الامتناع ؛ ويقال:"أقاموا في داخل الحصن"أي: أنهم إنْ هاجمهم الأعداء ؛ يمتنعون عليهم ؛ ولا يستطيعون الوصول إليهم .
ويقول الحق سبحانه: {والمحصنات مِنَ النسآء ...} [النساء: 24] .
أي: المُمْتنعات عن عملية الفجور ؛ وهُنَّ الحرائر .
وأيضاً يقول الحق سبحانه: {والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء: 91] .