وقد اهتدى علماء هذا العصر إلى القيمة الفاعلة في طَحْن القمح ، مع الحفاظ على ما فيه من قشر القمح ، وثبت لهم أن مَنْ يتناول الخبز المصنوع من الدقيق النقي للغاية ؛ يعاني من ارتباك غذائي يُلجِئه إلى تناول خبز مصنوع من قِشْر القمح فقط ، وهو ما يسمى"الخبز السِّن"؛ ليعوض في غذائه ما فقده من قيمة غذائية .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف: 47] .
وهكذا أخبر يوسف الساقي الذي جاء يطلب منه تأويل رُؤْيا الملك ؛ بما يجب أن يفعلوه تحسُّباً للسنوات السبع العجاف التي تلي السبع سنوات المزدهرة بالخُضْرة والعطاء ، فلا يأكلوا مِلْء البطون ؛ بل يتناولوا من القمح على قَدْر الكفاف:
{إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف: 47] .
ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف عليه السلام من بقية التأويل لحُلْم الملك: {ثُمَّ يَأْتِي مِن ...} .
وهكذا أوضح يوسف عليه السلام ما سوف يحدث في مصر من جَدْب يستمر سبع سنوات عجاف بعد سبع سنوات من الزرع الذي يتطلب هِمَّة لا تفتر .
وقوله سبحانه في وصف السبع"سنوات"بأنها:
{شِدَادٌ . .} [يوسف: 48] .
يعني: أن الجَدْب فيها سوف يُجهِد الناس ؛ فإنْ لم تكُنْ هناك حصيلة تَمَّ تخزينها من محصول السبع السنوات السابقة ، فقد تحدُث المجاعة ، وليعصم الناسُ بطونهم في السنوات السبع الأولى ، وليأكلوا على قَدْر الضرورة ؛ ليضمنوا مواجهة سنوات الجَدْب .
ونحن نعلم أن الإنسان يستبقي حياته بالتنفس والطعام والشراب ؛ والطعام إنما يَمْري على الإنسان ، ويعطيه قوة يواجه بها الحياة .
ولكن أغلب طعامنا لا نهدف منه القوة فقط ؛ بل نبغي منه المتعة أيضاً ، ولو كان الإنسان يبغي سَدَّ غائلة الجوع فقط ، لاكتفى بالطعام المسلوق ، أو بالخبز والإدام فقط ، لكننا نأكل للاستمتاع .