الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) }
يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: وَقَالَ مَلِكُ مِصْرَ {إِنِّي أَرَى} فِي الْمَنَامِ {سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ} مِنَ الْبَقَرِ {عِجَافٌ} وَقَالَ: {إِنِّي أَرَى} ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، لِتَعَارُفِ الْعَرَبِ بَيْنَهَا فِي كَلَامِهَا إِذَا قَالَ الْقَائِلُ مِنْهُمْ: أَرَى أَنِّي أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ رُؤْيَتِهِ ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ النَّوْمَ.
وَأَخْرَجَ الْخَبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى مَا قَدْ جَرَى بِهِ اسْتِعْمَالُ الْعَرَبِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ.
{وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ}
يَقُولُ: وَأَرَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ فِي مَنَامِي.
{وَأُخَرَ}
يَقُولُ: وَسَبْعًا أُخَرَ مِنَ السُّنْبُلِ
{يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ}
يَقُولُ: يَاأَيُّهَا الْأَشْرَافُ مِنْ رِجَالِي وَأَصْحَابِي {أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} فَاعْبُرُوهَا
{إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا} عَبَرَةَ.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:"ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ الرَّيَّانَ بْنَ الْوَلِيدِ رَأَى رُؤْيَاهُ الَّتِي رَأَى، فَهَالَتْهُ، وَعَرَفَ أَنَّهَا رُؤْيَا وَاقِعَةٌ، وَلَمْ يَدْرِ مَا تَأْوِيلُهَا؛ فَقَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ: {إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} . إِلَى قَوْلِهِ: {بِعَالِمِينَ} "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ سَأَلَهُمْ مَلِكُ مِصْرَ عَنْ تَعْبِيرِ رُؤْيَاهُ: رُؤْيَاكَ هَذِهِ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ؛ يَعْنُونَ أَنَّهَا أَخْلَاطُ رُؤْيَا كَاذِبَةٍ لَا حَقِيقَةَ لَهَا. وَهِيَ جَمْعُ ضِغْثٍ، وَالضِّغْثُ: أَصْلُهُ الْحُزْمَةُ مِنَ الْحَشِيشِ، يُشَبِّهُ بِهَا الْأَحْلَامَ الْمُخْتَلَطَةً الَّتِي لَا تَأْوِيلَ لَهَا.
وَالْأَحْلَامُ جَمْعُ حُلْمِ، وَهُوَ مَا لَمْ يُصَدَّقْ مِنَ الرُّؤْيَا، وَمِنَ الْأَضْغَاثِ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
[البحر الكامل]
خَوْدٌ كَأَنَّ فِرَاشَهَا وُضِعَتْ بِهِ ... أَضْغَاثُ رَيْحَانٍ غَدَاةَ شَمَالِ
وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر البسيط]
يَحْمِي ذِمَارَ جَنِينٍ قَلَّ مَانِعُهُ ... طَاو كَضِغْثِ الْخَلَا فِي الْبَطْنِ مُكْتَمِنُ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ:" {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} كَاذِبَةٌ"