إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي ما القضاء في أمر العبادة إلا لله وحده لأنه المستحق لها بالذات، من حيث إنه الواجب لذاته، الموجد للكل، المالك لأمره. أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أمر على لسان الأنبياء ألا تعبدوا إلا الذي دلت عليه الحجج. ذلِكَ التوحيد الدِّينُ الْقَيِّمُ المستقيم الحق، وأنتم لا تميزون المعوج من القويم. وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة، فإنه عليه السّلام بين لهم:
أولا- رجحان التوحيد على تعدد الآلهة.
وثانيا- برهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها لا تستحق الألوهية، فإن استحقاق العبادة إما بالذات وإما بالغير، وكلا القسمين منتف عن تلك الآلهة.
وثالثا- نص على ما هو الحق القويم والدين المستقيم الذي لا يقتضي العقل غيره ولا يرتضي العلم دود.
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَعْلَمُونَ فيخبطون في جهالاتهم، ولا يدرون ما يصيرون إليه من العذاب، فهم يشركون.
المناسبة:
بعد أن اتخذ العزيز وأهل مشورته قرارهم بحبس يوسف، بالرغم من اقتناعهم بعفته ونزاهته وبراءته، ذكر الله تعالى هنا تنفيذهم ذلك القرار الذي عزموا عليه، من إدخاله السجن، وأنهم لما أرادوا حبسه حبسوه وحبسوا معه اثنين من عبيد الملك، وأن الله لطف بهم إذ علّمه تعبير الرؤيا، وكان ذلك طريقا لإنقاذه من السجن.
التفسير والبيان:
لما أرادوا حبس يوسف حبسوه، وحبسوا معه غلامين من عبيد الملك، أحدهما: ساقيه، والآخر: خبازه لأنه رفع إليه أنهما تمالا على سمه في طعامه وشرابه، وليس ذلك مصادفة، ولكن تقدير العزيز العليم، وكان يوسف مشهورا في السجن بصدق الحديث وتعبير الرؤيا.
فرأيا رؤيا، فقال الساقي: إني رأيت في المنام أني أعصر عنبا يصير بعدئذ خمرا، وقال الخباز: إني رأيت أني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، فقالا ليوسف: أخبرنا بتأويل وتفسير ما رأينا، فهل سيحدث حقا أو هو مجرد أضغاث أحلام؟ إِنَّا نَراكَ .. إنا نعلم أنك من الذين يحسنون تأويل الرؤيا، أي من المحسنين في علم التعبير لأنه متى عبّر لم يخطئ، كما قال: وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أو من المحسنين الذين يريدون الخير والإحسان للناس.