قال لهما مخبرا أنه عالم بتعبير الرؤيا. تُرْزَقانِهِ في منامكما. نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ في اليقظة أي بتفسيره الذي يؤول إليه في الواقع. قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما تأويله ويتحقق المراد منه، كأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد، ويرشدهما إلى الطريق القويم، قبل أن يجيبهما على سؤالهما.
ذلِكُما أي ذلك التأويل مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي بالإلهام والوحي، وليس من قبيل التكهن أو التنجيم، وهذا أيضا فيه حثّ على إيمانهما ثم قواه بقوله: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ دين قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ هم: تأكيد كفرهم بالآخرة، وهذا تعليل لما قبله، أي علمني ذلك لأني تركت ملة أولئك.
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ .. معطوف على تَرَكْتُ أو كلام مبتدأ لتمهيد الدعوة وإظهار أنه من بيت النبوة، لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه والوثوق به. وهو دليل على أنه يجوز لغير المعروف أن يصف نفسه حتى يعرف، فيستفاد منه. ما كانَ لَنا أي ما كان ينبغي لنا أو ما صحّ لنا معشر الأنبياء. أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي شيء كان، لعصمتنا. ذلِكَ أي التوحيد. مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا بالوحي. وَعَلَى النَّاسِ وعلى سائر الناس، ببعثتنا لإرشادهم وتثبيتهم عليه.
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المبعوث إليهم، وهم الكفار لا يَشْكُرُونَ الله على هذا الفضل، فيشركون ويعرضون عنه.
ثم صرح يوسف بدعوتهما إلى الإيمان فقال: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أي يا ساكنيه أو
يا صاحبيّ فيه. أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ .. استفهام تقرير. أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ أي هل الأرباب الشتى المتعددون خير أم الله الواحد المنفرد بالألوهية، الغالب الذي لا يعادله ولا يقاومه غيره؟ مِنْ دُونِهِ أي غيره. سَمَّيْتُمُوها سميتم بها أصناما. ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها أي بعبادتها مِنْ سُلْطانٍ حجة وبرهان، أي فليست هي إلا أشياء ذات أسامي أطلقتم عليها من غير حجة تدل على تحقق مسمياتها فيها، فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء المجردة، والمعنى أنكم سميتم ما لم يدل على استحقاقه الألوهية عقل ولا نقل آلهة، ثم أخذتم تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها.