وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: {يَا بُشْرَى} بِإِرْسَالِ الْيَاءِ وَتَرْكِ الْإِضَافَةِ. وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ رَجُلٍ دَعَاهُ الْمُسْتَقِي بِاسْمِهِ، كَمَا يُقَالُ: يَا زَيْدُ، وَيَا عَمْرُو، فَيَكُونُ «بُشْرَى» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالنِّدَاءِ. وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ إِضَافَةَ الْبُشْرَى إِلَى نَفْسِهِ، فَحَذَفَ الْيَاءَ وَهُوَ يُرِيدُهَا، فَيَكُونُ مُفْرَدًا وَفِيهِ نِيَّةُ الْإِضَافَةِ، كَمَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي النِّدَاءِ فَتَقُولُ: يَا نَفْسُ اصْبِرِي،
وَيَا نَفْسُ اصْبِرِي، وَيَا بُنَيَّ لَا تَفْعَلْ، وَيَا بُنَيَّ لَا تَفْعَلْ، فَتُفْرِدُ وَتَرْفَعُ وَفِيهِ نِيَّةُ الْإِضَافَةِ، وَتُضِيفُ أَحْيَانًا فَتُكْسِرُ، كَمَا تَقُولُ: يَا غُلَامُ أَقْبِلْ، وَيَا غُلَامِي أَقْبِلْ. وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ إِلَيَّ قِرَاءَةُ مِنْ قَرَأَهُ بِإِرْسَالِ الْيَاءِ وَتَسْكِينِهَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ اسْمَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ كَانَ مَعْرُوفًا فِيهِمْ كَمَا قَالَ السُّدِّيُّ، فَذَلِكَ هِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ لَا شَكَّ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ مِنَ التَّبْشِيرِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنْتُ.
وَأَمَّا التَّشْدِيدُ وَالْإِضَافَةِ فِي الْيَاءِ فَقِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ لَا أَرَى الْقِرَاءَةَ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لُغَةً مَعْرُوفَةً؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَسَرَّهُ الْوَارِدُ الْمُسْتَقِي وَأَصْحَابُهُ مِنَ التُّجَّارِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمْ، وَقَالُوا لَهُمْ: هُوَ بُضَاعَةٌ اسْتَبْضَعْنَاهَا بَعْضَ أَهْلِ مِصْرَ؛ لِأَنَّهُمْ خَافُوا إِنْ عَلِمُوا أَنَّهُمُ اشْتَرُوهُ بِمَا اشْتَرُوهُ بِهِ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُمْ فِيهِ الشَّرِكَةَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَسَرَّهُ التُّجَّارُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَسَرُّوا بَيْعَهُ.
عَنْ مُجَاهِدٍ،" {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} قَالَ: قَالُوا لِأَهْلِ الْمَاءِ: إِنَّمَا هُوَ بِضَاعَةٌ"