ويلاحظ أن ما قاله الهروى من أن غيابة الجب كهف فيه لا يناسب هنا، فإن إِلقاءه من أعلى الجب يوصله إلى قاعه لا إِلى كهف فيه فوق الماء كما قال، وخاض بعض المفسرين في تعيين صاحب هذا الاقتراح، فالسدي يقول هو (يهوذا) وقتادة وابن اسحاق يقولان هو رابيل، ومجاهد يقول هو شمعون، إلى غير ذلك ولم نجد سندًا لواحد من هؤلاه المفسرين، فلذا لا نستطيع تعيينه، وإنما لم يذكر واحد منهم باسمه في الآية سترًا على المسيء، وكل واحد منهم لم يخل من الإساءَة، ولكن مراتبها تتفاوت.
والمعنى: قال قائل منهم عز عليه قتل أخيه بلا ذنب جناه، لا تقتلوا يوسف قتلا مباشرًا - ولا تطرحوه في أرض يتعرض فيها للموت، ولكن ألقوه في قاع البئر المعررفة لنا بقلة مائها، فإِن فعلتم ذلك يلتقطه حيا بعض الجماعات السيارة في الصحراء حين يدلون بدلائهم فيها ليستقوا منها، فيتعلق بها فيبعدوه عن بلادنا إلى حيث يجد رزقه ويبقى حيا.
{إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} :
أي إن كنتم مصرين على إبعاده عن أَبيه ليخلو لكم وجهه، فاعملوا بمشورتي، ليتحقق لكم مرادكم، ويبقى أخونا حيا فلا نأثم بقتله.
{قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) }
المفردات:
{يَرْتَعْ} : أصل الرتع أن تأكل وتشرب ما تشاء في خصب وسعة، وذكر الراكب أنه حقيقة في أكل البهائم. ويستعار للإنسان إِذا أَريد به الأكل الكثير اهـ.
والمراد به هنا نشاطه في الأكل المستتبع لحسن نموه، ولذا قرنوه باللعب, فإِنه يساعد على ذلك.
{لَيَحْزُنُنِي} : بفتح الياء وقرئ بضمها. وكلاهما بمعنى يجعلني حزينا.
التفسير
11 - {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} :