ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وقد أحس من رؤيا ابنه يوسف أن سيكون له شأن ، يتجه خاطره إلى أن هذا الشأن في وادي الدين والصلاح والمعرفة ؛ بحكم جو النبوة الذي يعيش فيه ، وما يعلمه من أن جده إبراهيم مبارك من الله هو وأهل بيته المؤمنون. فتوقع أن يكون يوسف هو الذي يختار من أبنائه من نسل إبراهيم لتحل عليه البركة وتتمثل فيه السلسلة المباركة في بيت إبراهيم. فقال له:
{وكذلك يجتبيك ربك ، ويعلمك من تأويل الأحاديث ، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ، إن ربك عليم حكيم} ..
واتجاه فكر يعقوب إلى أن رؤيا يوسف تشير إلى اختيار الله له ، وإتمام نعمته عليك وعلى آل يعقوب ، كما أتمها على أبويه من قبل إبراهيم وإسحاق (والجد يقال له أب) .. هذا طبيعي. ولكن الذي يستوقف النظر قوله:
{ويعلمك من تأويل الأحاديث} ..
والتأويل هو معرفة المآل. فما الأحاديث؟. أقصد يعقوب أن الله سيختار يوسف ويعلمه ويهبه من صدق الحس ونفاذ البصيرة ما يدرك به من الأحاديث مآلها الذي تنتهي إليه ، منذ أوائلها. وهو إلهام من الله لذوي البصائر المدركة النافذة ، وجاء التعقيب:
{إن ربك عليم حكيم} ..
مناسباً لهذا في جو الحكمة والتعليم؟ أم قصد بالأحاديث الرؤى والأحلام كما وقع بالفعل في حياة يوسف فيما بعد؟
كلاهما جائز ، وكلاهما يتمشى مع الجو المحيط بيوسف ويعقوب.
وبهذه المناسبة نذكر كلمة عن الرؤى والأحلام وهي موضوع هذه القصة وهذه السورة.
إننا ملزمون بالاعتقاد بأن بعض الرؤى تحمل نبوءات عن المستقبل القريب أو البعيد. ملزمون بهذا أولاً من ناحية ما ورد في هذه السورة من وقوع مصداق رؤيا يوسف ، ورؤيا صاحبيه في السجن ، ورؤيا الملك في مصر. وثانياً من ناحية ما نراه في حياتنا الشخصية من تحقق رؤى تنبؤية في حالات متكررة بشكل يصعب نفي وجوده.. لأنه موجود بالفعل!..