وتأمل منهج القرآن الكريم في استخدام الفعلين (فعل - عمل) ، مع أنهما شديدا التقارب، إلا أن القرآن يستخدم كلاًّ في موضعه استخدامًا عجيبًا، ويستعملهما استعمالًا بديعًا.
فـ (عمل) في القرآن تأتي لما يمتد زمانه، كما أنها لم تُسند إلى الله - تعالى - أو إلى اسم من أسمائه؛ وذلك لأنها تحتاج إلى تفكُّر وتعمل، ومقارنة بين الفعل والترك، وتقلب النظر في الصورة، واختيار ما يهدي إليه النظر فيها، وسبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يلتبس عليه أمر من الأمور [4] .
ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: قوله - تعالى:"مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا" [غافر: 40] ، وقوله - سبحانه:"يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا" [آل عمران: 30] ، وقوله - عز وجل:"وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا" [الكهف: 49] .
أما مادة (فَعَل) ، فإنها تكون لما يقع دفعة واحدة، ولا يحتاج إلى إعمال فكر؛ ولهذا أسندت إلى الله - عز وجل - في كثير من استعمالاتها في القرآن، خذ مثلًا قوله - تعالى:"وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ" [إبراهيم: 45] ،"وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ" [البقرة: 253] ،"قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" [آل عمران: 40] .
وانظر إلى استعماله لفظي (الجهاد والقتال) ، تجد ما يملؤك روعة وبيانًا؛ فـ (الجهاد والقتال) وإن ترادفا في المعنى، إلا أن القرآن يفرِّق بينهما؛ فالجهاد أوسع دائرة من القتال، وهو يصدق على نشاطات الدعوة كلها، كما يشمل كل عمل يؤدِّيه المؤمن، من شأنه إعلاء دين الله، فيجاهد نفسه وأهله؛ لينأى بهم عن النار.
أما القتال، فهو أخص من الجهاد، ولا يستعمل إلا في إعلاء كلمة الله، ومع الذين يقاتلوننا، ونجده مشروطًا بعدم الاعتداء والتجاوز.