لا يرشد من خان أمانته ويفضحه في عاقبته.
«فَإِنْ قِيلَ» : فقد رويتم في بعض ما مضى أن يوسف قال في مجلس الملك: «ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب» ، فكيف قال الملك: «ائتوني به» وهو حاضر عنده؟!
فالجواب: أن أرباب هذا القول يقولون: أمر الملك بإحضاره ليقلِّده الأعمال في غير المجلس الذي استحضره فيه لتعبير الرؤيا.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قال يوسف (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ولم يقل: إِن شاء الله؟
فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن ترك الاستثناء أوجب عقوبة بأن أخِّر تمليكُه، على ما ذكرنا عن النبي صلّى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه أضمر الاستثناء، كما أضمروه في قولهم: وَنَمِيرُ أَهْلَنا.
والثالث: أنه أراد أن حفظي وعِلمي يزيدان على حفظ غيري وعِلمه، فلم يحتج هذا إِلى الاستثناء، لعدم الشك فيه، ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف مدح نفسه بهذا القول، ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع؟
فالجواب: أنه لما خلا مدحُه لنفسه من بغي وتكبر، وكان مراده به الوصول إِلى حق يقيمه وعدل يحييه وجور يبطله، كان ذلك جميلاً جائزا.
وقد قال نبيّنا عليه السلام: «أنا أكرم ولد آدم على ربه» .
وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: والله ما من آية إِلا وأنا أعلم أبِليل نزلت، أم بنهار.
وقال ابن مسعود: لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإِبل لأتيته.
فهذه الأشياء، خرجت مخرج الشكر لله، وتعريف المستفيد ما عند المفيد، ذكر هذا محمد بن القاسم.
قال القاضي أبو يعلى: في قصة يوسف دلالة على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه، وأنه ليس من المحظور في قوله: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) .
قوله تعالى: (وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يخفى من قد أُعطي نصف الحسن، وكيف يشتبه بغيره؟
فالجواب: أنهم فارقوه طفلاً ورأوه كبيراً، والأحوال تتغير، وما توهموا أنه ينال هذه المرتبة.