نقول: نعم ، لو كان الذئب قد أكل يوسف بالفعل ؛ وتلوَّث قميص يوسف بدم يوسف وتمزق . ولكن ذلك لم يحدث ، بل إن الكذب يكاد يصرخ في تلك الواقعة ويقول"أنا كذب".
فلو كان قد أكله الذئب فعلاً ؛ كان الدم قد نشع من داخل القميص لخارجه ؛ ولكنهم جاءوا بدم الشاة ولطخوا به القميص من الخارج .
وبالله ، لو أن الذئب قد أكله فعلاً ، ألم تكُنْ أنيابه قد مزَّقَتْ القميص؟
وحين انكشف أمرهم أمام أبيهم ؛ أشار أحدهم خفية للباقين وقال لهم همساً: قولوا لأبيكم: إن اللصوص قد خرجوا عليه وقتلوه ؛ فسمع يعقوب الهمس فقال: اللصوص أحوَجُ لقميصه من دمه ؛ وهذا ما تقوله كتب السير .
وهذا ما يؤكد فراسة يعقوب ، هذه الفراسة التي يتحلى بها أيُّ محقق في قضية قتل ؛ حين يُقلِّب أسئلته للمتهم وللشهود ؛ لأن المحقق يعلم أن الكاذب لن يستوحي أقواله من واقع ؛ بل يستوحي أقواله من خيال مضطرب .
ولذلك يقال:"إن كنت كذوباً فكُنْ ذَكُوراً".
ويأتي هنا الحق سبحانه بما جاء على لسان يعقوب:
{بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .
"والسَّوَل": هو الاسترخاء ؛ لأن الإنسان حين تكون أعصابه مشدودة ؛ ثم يحب أن يسترخي ، فيستريح قليلاً ، وبعد ذلك يجد في نفسه شيئا من اليُسْر في بدنه ونبضه .
ونأخذ {سَوَّلَتْ ...} [يوسف: 18] هنا بمعنى يَسَّرت وسهَّلتْ ، وما دامت قد سوَّلتْ لكم أنفسكم هذا الأمر فسوف أستقبله بما يليق بهذا الوضع ، وهو الصبر .
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ...} [يوسف: 18] .
والذين يحاولون اصطياد خطأ في القرآن يقولون"وهل يمكن أن يكون الصبر جميلاً؟".
نقول: هم لا يعرفون أن الصبر يُقال فيه"اصبر عن كذا"إذا كان الأمر عن شهوة قد تُورِث إيلاماً ؛ كأن يُقال"اصبر عن الخمر"أو"اصبر عن الميسر"أو"اصبر عن الربا".