قُلْنَا: إِنَّهُ جَارٍ مَجْرَى أَنْ يَقُولَ حَفِيظٌ بِجَمِيعِ الْوُجُوهِ الَّتِي مِنْهَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الدَّخْلِ وَالْمَالِ، عَلِيمٌ بِالْجِهَاتِ الَّتِي تَصْلُحُ لِأَنْ يُصْرَفَ الْمَالُ إِلَيْهَا، وَيُقَالُ: حَفِيظٌ بِجَمِيعِ مَصَالِحِ النَّاسِ، عَلِيمٌ بِجِهَاتِ حَاجَاتِهِمْ أَوْ يُقَالُ: حَفِيظٌ لِوُجُوهِ أَيَادِيكَ وَكَرَمِكَ، عَلِيمٌ بِوُجُوبِ مُقَابَلَتِهَا بِالطَّاعَةِ وَالْخُضُوعِ وَهَذَا باب واسع يمكن تكثيره لمن أراده.
(وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(56)
(وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وَذَلِكَ لِأَنَّ إِضَاعَةَ الْأَجْرِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ أَوْ لِلْجَهْلِ أَوْ لِلْبُخْلِ وَالْكُلُّ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّه تَعَالَى، فَكَانَتِ الْإِضَاعَةُ مُمْتَنِعَةً.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا شَهَادَةٌ مِنَ اللَّه تَعَالَى عَلَى أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وَلَوْ صَدَقَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ لَامْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، فَهَهُنَا لَزِمَ إِمَّا تَكْذِيبُ اللَّه فِي حُكْمِهِ عَلَى يُوسُفَ بِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وَهُوَ عَيْنُ الْكُفْرِ أَوْ لَزِمَ تَكْذِيبُ الْحَشْوِيِّ فِيمَا رَوَاهُ وَهُوَ عَيْنُ الْإِيمَانِ وَالْحَقِّ.
(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ(59)
اعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَلَامٍ سَابِقٍ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ الْكَلَامُ سَبَبًا لِسُؤَالِ يُوسُفَ عَنْ حَالِ أَخِيهِمْ، وَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: