ويُقال"اصبر عن كذا"إذا كان الصبر فيه إيلام لك . والصبر يكون جميلاً حينما لا تكون فيه شكوى أو جزع .
والحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً} [المزمل: 10] .
وهؤلاء الذين يبحثون عن تناقض أو تضارب في القرآن إنما هم قوم لا يعرفون كيفية استقباله وفهمه ؛ وقد بيَّن لنا يعقوب عليه السلام أن الصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى فيه ، وهو القائل: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله ...} [يوسف: 86] .
وهكذا نعلم أن هناك فارقاً بين الشكوى للربِّ ؛ وشكوى من قدر الربِّ .
ولذلك يقول يعقوب عليه السلام هنا:
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ . .} [يوسف: 18] ، ويتبعها: {والله المستعان على مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] ، كأن الصبر الجميل أمر شاقٌّ على النفس البشرية ، ولم يكُنْ يعقوب قادراً على أن يُصدِّق ما قاله أبناؤه له ؛ فكيف يُصدِّق الكذب؟ وكيف يمكن أن يواجه أبناءه بما حدث منهم؟ وهم أيضاً أبناؤه ؛ لكنه كان غير قادر على أن يكشف لهم كذبهم .
والمثل لذلك ما جاء في التراث العربي حين قِيلَ لرجل: إن ابنك قد قتل أخاك ، فقال:
أقولُ لنفسِي تأساء وتعزيةً ... إحدى يديَّ أصَابتْنِي ولم تُردِ
كِلاهُمَا خلف عن فَقْدِ صاحبِه ... هذا أخي حين أدعُوه وذَا ولدِي
ومثل هذه المواقف تكون صعبة وتتطلب الشفقة ؛ لأن مَنْ يمر بها يحتار بين أمر يتطلب القسوة وموقف يتطلب الرحمة ؛ وكيف يجمع إنسان بين الأمرين؟
إنها مسألة تعزُّ على خَلْق الله ؛ ولابد أن يفزع فيها الإنسان إلى الله ؛ ولذلك علَّمنا صلى الله عليه وسلم أنه إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة ؛ وحزبه أمر ما يعني: أن مواجهة هذا الأمر تفوق أسباب الإنسان ؛ فيلجأ إلى المُسبِّبِ الأعلى ؛ ولذلك قال يعقوب عليه السلام:
{والله المستعان على مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .