الأول: هل الزيادة على النص نسخ؟ فمذهب الأحناف أنها نسخ، ومن الأمثلة التي يظهر فيها الخلاف في هذه المسألة مسألة اشتراط أن تكون الرقبة في الظهار مؤمنة حملاً على الرقبة في كفارة القتل، فمذهب الأحناف أن الإيمان في رقبة كفارة الظهار ليس مشروطاً؛ لأن الله قال فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ومقتضى الآية إجزاء الرقبة المطلقة فمن قيدها بالإيمان كان زائداً على النص، والزيادة على النص نسخ.
يقول إمام الحرمين في البرهان: ووجه ادعائهم كونها نسخاً أن مقتضى الخطاب يتضمن الإجزاء مع الإطلاق، والزائد يرفع الإجزاء في الإطلاق وهو متضمن الآية فاقتضت الزيادة رفع ما تضمنه الإطلاق من الإجزاء فكان ذلك نسخاً من هذه الجهة ( [9] ) .
الموطن الثاني: هو أن تكون الآية قد نسخت آيات كثيرة كآية السيف فقد زعم جماعة أنها نسخت ما يربو على مائة آية، ويعنون بذلك آيات الدعوة للكفار والحوار معهم والمهادنة والموادعة معهم، ولا شك أن هذا بعيد عن صوب التحقيق.
السبب الثالث عشر:
هو أن في كل مذهب من المذاهب مدرستين إحداهما تدعو إلى الأخذ بما قام عليه الدليل ولو لم يكن هو مشهور المذهب، والأخرى تدعو إلى الأخذ بما تسميه مشهور المذهب ولو خالف الدليل، ونرى أن هذا الخلاف ناشئ عن الخلفية العلمية لكل واحدة من المدرستين، فهنا من أتباع المذهب من اشتغلوا بالحديث والتفسير مع الاشتغال بفروع الفقه، وهنالك من شغلهم حفظ الفروع والتخريجات عن الاشتغال بالدليل.
ولا شك أن الطائفة التي تشتغل بالدليل من أتباع المذهب هي صاحبة التحقيق والتوفيق عند مواطن النزاع، ومن هذه الطائفة من الشافعية ابن حجر والنووي على سبيل المثال لا الحصر، وإليكم هذا المثال: يقول النووي بعد إيراده لحديث مسلم في نقض الوضوء بلحم الإبل: احتج أصحابنا ــ يعني الشافعية ــ بأنباء ضعيفة في مقابل هذين الحديثين، وكأن الحديثين لم يصحا عند الإمام الشافعي.