وهي أنه لما مات أبو بكر وولي عمر بعده فتحت الأمصار وتفرق الصحابة في الأقطار، واستقر المقام بكل مجموعة منهم في مصر من الأمصار، وكانت تنزل النازلة بأهل مكة أو أهل المدينة أو أهل اليمن أو أهل العراق أو أهل الشام أو أهل مصر فيفتي فيها من نزلت بهم من الصحابة بما يحصل عندهم فيها، وربما كانت هذه الفتوى مستندة إلى عموم أو اجتهاد سائغ، لولا كون المسألة قد ورد فيها نص يخصها غاب عمن أفتى هذه الفتوى، فقد حضر المدني ما لم يحضر المصري وحضر المصري ما لم يحضر الشامي، وقد ظل الحال على هذا بعد انقراض عصر الصحابة فترة من الزمن، فقد كانت كل طائفة من التابعين يفتون بما استقر عند من أدركوا من الصحابة، ومن هنا طغت آراء ابن عمر على فتاوى من بالمدينة من التابعين، لأنها كانت محل إقامته، وقد كان من أطول (المكثرين) لبثاً فيها، وكذا الحال بالنسبة لأهل مكة مع ابن عباس وبالنسبة لأهل الكوفة مع ابن مسعود .. وهلم جرَّا ..
فلم يكن أهل مصر يخرجون عن فتوى من رووا عنه إلا نادراً، وظل الحال على هذا عند ظهور من بعد التابعين كأبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة وابن جريج بمكة، ومالك وابن الماجشون بالمدينة، وسوار بالبصرة، والأوزاعي بالشام، والليث بمصر، فقد جرى هؤلاء الأئمة على نفس طريقة من سبقوهم، فقد سلك كل واحد منهم مسلك من أخذ عنهم من التابعين وتابعي التابعين من أهل بلده .. إلخ.
تلكم كانت نبذة سريعة عن ظروف نشأة الخلاف وملابسات حصوله أول ما نشأ، وبعدها سننتقل إلى أسباب حصول الخلاف.
الفصل الأول
في أسباب حصول الخلاف عند الفقهاء
السبب الأول:
عثور البعض على دليل لم يعثر عليه الآخر، يقول ابن القيم وهو يتكلم عن أسباب حصول الخلاف: