وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا تَجَبُّرُوا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ:" {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} قَالَ: فِي مُلْكِهِمْ وَتَجَبُّرِهِمْ، وَتَرَكُوا الْحَقَّ"
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ سَلَفَتْ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ، اتَّبَعُوا مَا أُنْظِرُوا فِيهِ مِنْ لِذَاتِ الدُّنْيَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَفَرُوا بِاللَّهِ وَاتَّبَعُوا مَا أُنْظِرُوا فِيهِ مِنْ لِذَاتِ الدُّنْيَا، فَاسْتَكْبَرُوا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَتَجَبَّرُوا، وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتْرَفَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْمُنْعِمُ الَّذِي قَدْ غُذِّيَ بِاللَّذَّاتِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
تُهْدِي رُءُوسُ الْمُتْرَفِينَ الصُّدَّادْ ... إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُمْتَادْ
وَقَوْلُهُ: {وَكَانُوا مُجْرِمِينَ}
يَقُولُ: وَكَانُوا مُكْتَسِبِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا كَانَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ لِيُهْلِكَ الْقُرَى الَّتِي أَهْلَكَهَا، الَّتِي قَصَّ عَلَيْكَ نَبَأَهَا، ظُلْمًا وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ، غَيْرُ مُسِيئِينَ، فَيَكُونُ إِهْلَاكُهُ إِيَّاهُمْ مَعَ إِصْلَاحِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ رَبَّهُمْ ظُلْمًا، وَلَكِنَّهُ أَهْلَكَهَا بِكُفْرِ أَهْلِهَا بِاللَّهِ، وَتَمَادِيهِمْ فِي غَيِّهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ وَرُكُوبِهِمُ السَّيِّئَاتِ.
وَقَدْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَهُمْ بِشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ «بِظُلْمٍ» ، يَعْنِي: بِشِرْكٍ، وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لَا يَتَظَالَمُونَ، وَلَكِنَّهُمْ يَتَعَاطَوْنَ الْحَقَّ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا يُهْلِكُهُمْ إِذَا تَظَالَمُوا.