يَقُولُ: يَنْهَوْنَ أَهْلَ الْمَعَاصِي عَنْ مَعَاصِيهِمْ وَأَهْلَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ عَنْ كُفْرِهِمْ بِهِ فِي أَرْضِهِ.
{إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ}
يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا يَسِيرًا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَنَجَّاهُمُ اللَّهُ مِنْ عَذَابِهِ، حِينَ أَخَذَ مَنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ عَذَابُهُ، وَهُمُ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ.
وَنَصَبَ «قَلِيلًا» لِأَنَّ قَوْلَهُ: {إِلَّا قَلِيلًا} اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِمَّا قَبْلَهُ، كَمَا قَالَ: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا} وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ:" {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ} إِلَى قَوْلِهِ: {إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} قَالَ: يَسْتَقِلُّهُمُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ"
عَنْ دَاوُدَ، قَالَ: سَأَلَنِي بِلَالٌ عَنْ قَوْلِ الْحَسَنِ فِي الْعُذْرِ، قَالَ: فَقَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ:" {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ هُودًا إِلَى عَادٍ، فَنَجَّى اللَّهُ هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَهَلَكَ الْمُتَمَتِّعُونَ. وَبَعَثَ اللَّهُ صَالِحًا إِلَى ثَمُودَ، فَنَجَّى اللَّهُ صَالِحًا وَهَلَكَ الْمُتَمَتِّعُونَ. فَجَعَلْتُ أَسْتَقْرِيهِ الْأُمَمَ، فَقَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا كَانَ حَسَنَ الْقَوْلِ فِي الْعُذْرِ"
وَقَوْلُهُ: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَكَفَرُوا بِاللَّهِ مَا أُتْرِفُوا فِيهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:" {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} قَالَ: مَا أُنْظِرُوا فِيهِ"
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ:" {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} مِنْ دُنْيَاهُمْ وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ الْكَلَامِ: وَاتَّبَعُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا الشَّيْءَ الَّذِي أَنْظَرَهُمْ فِيهِ رَبُّهُمْ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا، إِيثَارًا لَهُ عَلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ وَمَا يُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ"