الْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لِيَتَوَسَّلَ بِهَا إِلَى دَفْعِ تِلْكَ الْبَلِيَّةِ الْحَاضِرَةِ وَالْمِحْنَةِ النَّاجِزَةِ، فَمَا كَانَ مَقْصُودُهُ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْإِقْرَارَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه تَعَالَى، وَالِاعْتِرَافَ بِعِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَذِلَّةِ الْعُبُودِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَمَا كَانَ ذِكْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَقْرُونًا بِالْإِخْلَاصِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ مَا كَانَ مَقْبُولًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى مَحْضِ التَّقْلِيدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: (لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ) فَكَأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللَّه، إِلَّا أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا، فَهُوَ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْإِلَهِ الَّذِي سَمِعَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِوُجُودِهِ، فَكَانَ هَذَا مَحْضَ التَّقْلِيدِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ لَمْ تَصِرِ الْكَلِمَةُ مَقْبُولَةً مِنْهُ، وَمَزِيدُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أَنَّ فِرْعَوْنَ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ فِي سُورَةِ طه كَانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ، وَكَانَ مِنَ الْمُنْكِرِينَ لِوُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى، وَمِثْلُ هَذَا الِاعْتِقَادِ الْفَاحِشِ لَا تَزُولُ ظُلْمَتُهُ، إِلَّا بِنُورِ الْحُجَجِ الْقَطْعِيَّةِ، وَالدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ، وَأَمَّا بِالتَّقْلِيدِ الْمَحْضِ فَهُوَ لَا يُفِيدُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ ضَمًّا لِظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ إِلَى ظُلْمَةِ الْجَهْلِ السَّابِقِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ بَعْضَ أَقْوَامٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا جَاوَزُوا الْبَحْرَ اشْتَغَلُوا بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، فَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ) انْصَرَفَ ذَلِكَ إِلَى الْعِجْلِ الَّذِي آمَنُوا بِعِبَادَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي حَقِّهِ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الْكُفْرِ.