إنَّهُ تَعَالَى خَصَّ مُوسَى وَهَارُونَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْآيَةِ بِالْخِطَابِ فَقَالَ: (أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا) ثُمَّ عَمَّمَ هَذَا الْخِطَابَ فَقَالَ: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى وَهَارُونَ أَنْ يَتَبَوَّءَا لِقَوْمِهِمَا بُيُوتًا لِلْعِبَادَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُفَوَّضُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ جَاءَ الْخِطَابُ بَعْدَ ذَلِكَ عَامًّا لَهُمَا وَلِقَوْمِهِمَا بِاتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ، ثُمَّ خَصَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ بِالْخِطَابِ فَقَالَ: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْأَصْلِيَّ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ حُصُولُ هَذِهِ الْبِشَارَةِ، فَخَصَّ اللَّه تَعَالَى مُوسَى بِهَا، لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الرِّسَالَةِ هُوَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّ هَارُونَ تَبَعٌ لَهُ.
(قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما)
فِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمَا: إِنَّ مُوسَى كَانَ يَدْعُو وَهَارُونَ كَانَ يُؤَمِّنُ، فَلِذَلِكَ قَالَ: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما) وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ عِنْدَ دُعَاءِ الدَّاعِي آمِينَ فَهُوَ أَيْضًا دَاعٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ (آمِينَ) تَأْوِيلُهُ اسْتَجِبْ فَهُوَ سَائِلٌ كَمَا أَنَّ الدَّاعِيَ سَائِلٌ أَيْضًا.
الثَّانِي: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَكَرَ هَذَا الدُّعَاءَ غَايَةَ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى حَكَى هَذَا الدُّعَاءَ عَنْ مُوسَى بِقَوْلِهِ: (وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا) إِلَّا أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ هَارُونُ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الدُّعَاءَ أَيْضًا.
(وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ(90)
وهاهنا سُؤَالَانِ: