وهذا يؤيّد ما فسّرنا به وجه إضافة البراءة إلى الله ورسوله ، وإسنادِ العهد إلى ضمير المسلمين ، في قوله تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم} [التوبة: 1] .
ومعنى {عند} الاستقرار المجازي ، بمعنى الدوام أي إنّما هو عهد موقّت ، وقد كانت قريش نكثوا عهدهم الذي عاهدوه يوم الحديبية ، إذْ أعانوا بني بكر بالسلاح والرجال على خزاعة ، وكانت خزاعة داخلة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك سبب التجهيز لغزوة فتح مكة.
واستثناء {إلا الذين عاهدتم} ، من معنى النفي الذي استعمل فيه الاستفهام بـ {كيف يكون للمشركين عهد} ، أي لا يكون عهد المشركين إلا المشركين الذين عاهدتم عند المسجد الحرام.
والذين عاهدوهم عند المسجد الحرام: هم بنو ضمرة ، وبنو جذيمة بن الدّيل ، من كنانة ؛ وبنو بكر من كنانة.
فالموصول هنا للعهد ، وهم أخصّ من الذين مضى فيهم قوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً} [التوبة: 4] .
والمقصود من تخصيصهم بالذكر: التنويه بخصلة وفائهم بما عاهدوا عليه ويتعّين أن يكون هؤلاء عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء عند المسجد الحرام ، ودخلوا في الصلح الذي عقده مع قريش بخصوصهم ، زيادة على دخولهم في الصلح الأعمّ ، ولم ينقضوا عهدهم ، ولا ظاهروا عدوّا على المسلمين ، إلى وقت نزول براءة.
على أنّ معاهدتهم عند المسجد الحرام أبعد عن مظنّة النكث لأنّ المعاهدة عنده أوقع في نفوس المشركين من الحلف المجرّد ، كما قال تعالى: {إنّهم لا أيمان لهم} [التوبة: 12] .
وليس المراد كُلَّ من عاهد عند المسجد الحرام كما قد يتوهّمه المتوهّم ، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مأذوناً بأن يعاهد فريقاً آخر منهم.
وقوله: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} تفريع على الاستثناء.