الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْأَذَانِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِشَوَاهِدِهِ.
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: زَعَمَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الشَّامِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ:" {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} قَالَ: الْأَذَانُ الْقَصَصُ، فَاتِحَةُ بَرَاءَةَ حَتَّى تُخْتَمَ: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} فَذَلِكَ ثَمَانٌ وَعِشْرُونَ آيَةً"
وَرَفَعَ قَوْلَهُ: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ} عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ} كَأَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} قَالَ: يَوْمُ النَّحْرِ: يَوْمٌ يَحِلُّ فِيهِ الْمُحْرِمُ، وَيُنْحَرُ فِيهِ الْبُدْنُ"
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَكَانَ أَبِي يَقُولُهُ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ إِنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ إِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «وَالْحَجُّ يَفُوتُ بِفَوْتِ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا يَفُوتُ بِفَوْتِ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنْ فَاتَهُ الْيَوْمُ لَمْ يَفُتْهُ اللَّيْلُ، يَقِفُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} حِينَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَوَقْتُهُ. قَالَ: وَذَلِكَ أَيَّامُ الْحَجِّ كُلُّهَا لَا يَوْمٌ بِعَيْنِهِ.