ومن هؤلاء: قريظة أمَدُّوا المشركين غير مرّة ، وبنو بَكر ، عَدَوْا على خزاعة أحلاف المسلمين كما تقدّم فعُبِّر عن فعلهم ذلك بالنقصصِ لأنّهم لم ينقضوا العهد علناً ، ولاَ أبطلوه ، ولكنهم أخلُّوا به ، ممّا استطاعوا أن يَكيدوا ويمكروا ، ولأنهم نقضوا بعض ما عاهدوا عليه.
وذكر كلمة {شيئاً} للمبالغة في نفي الانتقاص ، لأنّ كلمة"شيء"نكرة عامّة ، فإذا وقعت في سياق النفي أفادت انتفاء كلّ ما يصدق عليه أنّه موجود ، كما تقدّم في قوله تعالى: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } في سورة البقرة (113) .
والمظاهرة: المعاونة ، يجوز أن يكون فعلها مشتقّاً من الاسم الجامد وهو الظهر ، أي صُلب الإنسان أو البعيرِ ، لأنّ الظهر به قوة الإنسان في المشي والتغلّب ، وبه قوة البعير في الرحلة والحمل ، يقال: بعير ظهير ، أي قوي على الرحلة ، مُثِّلَ المُعِين لأحدٍ على عمل بحال من يُعطيه ظهره يحمل عليه ، فكأنّه يعيره ظهره ويعيره الآخر ظهره ، فمن ثَمّ جاءت صيغة المفاعلة ، ومثله المعاضدة مشتقّة من العَضد ، والمساعدة من الساعد ، والتأييد من اليد ، والمكاتفة مشتقّة من الكتف ، وكلّها أعضاء العمل.
ويجوز أن يكون فعله مشتقّاً من الظهور ، وهو مصدر ضدّ الخفاء ، لأنّ المرء إذا انتصر على غيره ظهر حاله للناس ، فمُثِّل بالشيء الذي ظهر بعد خفاء ، ولذلك يعدى بحرف (على) للاستعلاء المجازي ، قال تعالى: {وإن تظاهرا عليه} [التحريم: 4] وقال {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلّاً ولا ذمة} [التوبة: 8] وقال {ليظهره على الدين كله} [الفتح: 28] وقال {والملائكة بعد ذلك ظهير} [التحريم: 4] أي معين.
والفاء في قوله: {فأتموا} تفريع على ما أفاده استثناء قوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً} إلخ ، وهو أنّهم لا تشملهم البراءة من العهد.