قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَهَاجَرَ إِلَيْهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، سِوَى أَبْنَائِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِهِمْ صِغَارًا أَوْ وُلِدُوا بِهَا، ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، إِنْ كَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْهُمْ.
وَهُوَ يَشُكُّ فِيهِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتِ الْآيَةُ بِالْبَيْدَاءِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ الْقِتَالِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قِيلَ: الْمَعْنَى حَسْبُكَ اللَّهُ، وَحَسْبُكَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى كَافِيكَ اللَّهُ، وَكَافِي مَنْ تَبِعَكَ، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ زَيْدٍ.
(مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(67)
هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، عِتَابًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِأَصْحَابِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْمَعْنَى: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ يكون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَى قَبْلَ الْإِثْخَانِ.
وَلَهُمْ هَذَا الْإِخْبَارُ بِقَوْلِهِ (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا) .
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِبْقَاءِ الرِّجَالِ وَقْتَ الْحَرْبِ، وَلَا أَرَادَ قَطُّ عَرَضَ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ جُمْهُورُ مُبَاشِرِي الْحَرْبِ، فَالتَّوْبِيخُ وَالْعِتَابُ إِنَّمَا كَانَ مُتَوَجِّهًا بِسَبَبِ مَنْ أَشَارَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَخْذِ الْفِدْيَةِ.
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ.
وَجَاءَ ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآيَةِ حِينَ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حِينَ رَآهُ مِنَ الْعَرِيشِ وإذ كره سعد ابن مُعَاذٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَلَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَغَلَهُ بَغْتُ الْأَمْرِ وَنُزُولُ النَّصْرِ فَتَرَكَ النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِبْقَاءِ، وَلِذَلِكَ بَكَى هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ نَزَلَتِ الْآيَاتُ.