وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا فَهَؤُلَاءِ بِسَبَبِ إِيمَانِهِمْ لَهُمْ فَضْلٌ وَكَرَامَةٌ وَبِسَبَبِ تَرْكِ الْهِجْرَةِ لَهُمْ حَالَةٌ نَازِلَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمْ حُكْمًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْإِجْلَالِ وَالْإِذْلَالِ وَذَلِكَ هُوَ أَنَّ الْوَلَايَةَ الْمُثْبَتَةَ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ، تَكُونُ مَنْفِيَّةً عَنْ هَذَا الْقِسْمِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَنْصَرُوا الْمُؤْمِنِينَ وَاسْتَعَانُوا بِهِمْ نَصَرُوهُمْ وَأَعَانُوهُمْ.
فَهَذَا الْحُكْمُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْإِجْلَالِ وَالْإِذْلَالِ.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَلَيْسَ لَهُمُ ألْبَتَّةَ مَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ الْفَضِيلَةِ.
فَوَجَبَ كَوْنُ الْمُسْلِمِينَ مُنْقَطِعِينَ عَنْهُمْ مِنْ كُلِّ الوجوه فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصرة بوجه من الوجوه، فظهر أن هذا التريب فِي غَايَةِ الْحُسْنِ.
قَولُهُ: (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ)
وَالْمَعْنَى: إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فِي هَذِهِ التَّفَاصِيلِ الْمَذْكُورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَمَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَبَيَانُ هَذِهِ الْفِتْنَةِ وَالْفَسَادِ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوِ اخْتَلَطُوا بِالْكُفَّارِ فِي زَمَانِ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وَزَمَانِ قُوَّةِ الْكُفَّارِ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَرُبَّمَا صَارَتْ تِلْكَ الْمُخَالَطَةُ سَبَبًا لِالْتِحَاقِ الْمُسْلِمِ بِالْكُفَّارِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَرَاءَةِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ كُلَّ يوم في الزيادة في العدة وَالْعُدَّةِ، صَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ وَرَغْبَةِ الْمُخَالِفِ فِي الِالْتِحَاقِ بِهِمْ.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(74)