قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ أَمَانٌ وَسَلَامَةٌ مِنَ الْعَذَابِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ فِيهِمْ أَمَانَانِ نَبِيُّ اللَّه وَالِاسْتِغْفَارُ، أَمَّا النَّبِيُّ فَقَدْ مَضَى، وَأَمَّا الِاسْتِغْفَارُ فَهُوَ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(35)
«فَإِنْ قِيلَ» : الْمُكَاءُ وَالتَّصْدِيَةُ مَا كَانَا مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُمَا عَنِ الصَّلَاةِ؟
قُلْنَا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُكَاءَ وَالتَّصْدِيَةَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، فَخَرَجَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى حَسَبِ مُعْتَقَدِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا كَقَوْلِكَ: وَدِدْتُ الْأَمِيرَ فَجَعَلَ جَفَائِي صِلَتِي.
أَيْ أَقَامَ الجفاء مقام الصلة فكذا هاهنا.
الثَّالِثُ: الْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ كَانَ الْمُكَاءُ وَالتَّصْدِيَةُ صَلَاتَهُ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ، مَا لِفُلَانٍ عَيْبٌ إِلَّا السَّخَاءُ.
يُرِيدُ مَنْ كَانَ السَّخَاءُ عَيْبَهُ فَلَا عَيْبَ لَهُ.
قَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)
فيه بحثان:
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وَإِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ، لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ أَسْلَمَ، بَلْ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِينَ بَقُوا عَلَى الْكُفْرِ يَكُونُونَ كَذَلِكَ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: (إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَشْرُهُمْ إِلَّا إِلَى جَهَنَّمَ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ يُفِيدُ الْحَصْرَ.
(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ(38)
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ هَلْ تُقْبَلُ أَمْ لَا؟
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ لِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: هَذِهِ الْآيَةُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ.