الثَّانِي: أَنَّ التَّقْدِيرَ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، إِلَّا أَنَّهُ جِيءَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ مُبَالَغَةً فِي نَفْيِ اخْتِصَاصِ الْفِتْنَةِ بِالظَّالِمِينَ كَأَنَّ الْفِتْنَةَ نُهِيَتْ عَنْ ذَلِكَ الِاخْتِصَاصِ.
وَقِيلَ لَهَا لَا تُصِيبِي الَّذِينَ ظَلَمُوا خَاصَّةً، وَالْمُرَادُ مِنْهُ: الْمُبَالَغَةُ فِي عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) وَالْمُرَادُ مِنْهُ: الْحَثُّ عَلَى لُزُومِ الِاسْتِقَامَةِ خَوْفًا مِنْ عِقَابِ اللَّه.
«فَإِنْ قِيلَ» : حَاصِلُ الْكَلَامِ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى يُخَوِّفُهُمْ مِنْ عَذَابٍ لَوْ نَزَلَ لَعَمَّ الْمُذْنِبَ وَغَيْرَهُ، وَكَيْفَ يَلِيقُ بِرَحْمَةِ الرَّحِيمِ الْحَكِيمِ أَنْ يُوصِلَ الْفِتْنَةَ وَالْعَذَابَ إِلَى مَنْ لَمْ يُذْنِبْ؟
قُلْنَا: إِنَّهُ تَعَالَى قَدْ يُنْزِلُ الْمَوْتَ وَالْفَقْرَ وَالْعَمَى وَالزَّمَانَةَ بِعَبْدِهِ ابْتِدَاءً، إِمَّا لِأَنَّهُ يَحْسُنُ مِنْهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِحُكْمِ الْمَالِكِيَّةِ، أَوْ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ اشْتِمَالَ ذَلِكَ عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الصَّلَاحِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ، وَإِذَا جَازَ ذلك لأحد هذين الوجهين فكذا هاهنا. واللَّه أعلم.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(29)
لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِدْخَالُ الشَّرْطِ فِي الْحُكْمِ إِنَّمَا يَحْسُنُ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ جَاهِلًا بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ باللَّه تَعَالَى؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَنَا إِنْ كَانَ كَذَا كَانَ كَذَا، لَا يُفِيدُ إِلَّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزَاءِ، فَأَمَّا أَنَّ وُقُوعَ الشَّرْطِ مَشْكُوكٌ فِيهِ أَوْ مَعْلُومٌ فَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ.