واعلم أن الآيات المكيات التي نزلت قبل سورتها هذه أواخر صفر السنة الثالثة عشرة من البعثة وعلى أثرها هاجر حضرة الرسول من مكة إلى المدينة كما أشرنا إليها في قصة الهجرة بعد سورة المطففين آخر الجزء الثاني هي قوله تعالى"وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا"من رؤساء قريش وغيرهم والشيخ النجدي مع أنك بعثت رحمة لهم ، وقد أجمعت كلمتهم على التخلص منك"لِيُثْبِتُوكَ"يوثقوك ويحبسوك"أَوْ يَقْتُلُوكَ"وهو ما قرّ عليه رأيهم"أَوْ يُخْرِجُوكَ"من بلدك ينفوك ويبعدونك عنه"وَيَمْكُرُونَ"يحيكون لك المكر ويدبرون المكايد بشأنك"وَيَمْكُرُ اللَّهُ"بما أعده لهم من العقاب لينزله عليهم ويريك الطريق الموجب لخلاصك منهم بما فيه الخير والمصلحة لك وللمؤمنين بك"وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30) "أقوى وأعظم تدبيرا.
منهم.
وأنفذ وأبلغ تدبيرا وتأثيرا فيهم ، وسمي جزاء اللّه مكرا للمقابلة والمشاكلة ، وقدمنا قسما من قصة الهجرة في الآية 40 من سورة العنكبوت ، وكان فيها الخير والكرامة له ولأمته إذ كان ما وعده اللّه به من النصر وانتشار الدعوة متوقفا عليها ، وإلا لما هاجر ، لأن أكثر أهل مكة من أقاربه وبوسعهم حمايته ممن عاداه وناوأه منهم ، فضلا عن أنه بحماية اللّه القادر على هلاك من يرومه بلحظة واحدة ، ولو كانوا أهل الأرض كلهم ، لهذا فلا يقال إنه هاجر خوفا من القتل أو غيره ، تدبر هذا واقمع به قول من قال بخلافه وراجع ما ذكرناه في قصة الهجرة من سورتي العنكبوت والمطففين في ج 2.