أحدها: بلوناهم بالنعم والخصب والسعة؛ ليعرفوا فضل اللَّه وإحسانه فيرجعوا إليه بالشكر والثناء، و (وَالسَّيِّئَاتِ) ، أي: بالبلايا في أنفسهم أو المصائب والضيق؛ ليعرفوا قدرة اللَّه وسلطانه، فيرجعوا إليه بالتضرع والفزع والدعاء والتوبة.
والثاني: معناه: أي: بلوناهم بالحسنات والسيئات؛ ليتقرر عندهم أن غيرهم أملك بهم من أنفسهم، فيرجعوا إليه بتسليم النفس لأمره وحكمه.
والثالث: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) المؤمن منهم والكافر، حتى إذا رأوا الاستواء في الدنيا وفي الحكمة التفريق بينهم، فيضطر الجميع إلى الإيمان بالبعث؛ إذ خروجهم من الدنيا على سواء.
والرابع: أنه إنما جعل النعيم في الدنيا ليعرفوا لذّة الموعود في الآخرة، وكذلك الشدة، فابتلاهم بالأمرين جميعًا؛ ليستعدوا للرجوع إلى الموعود لهم في الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ...(169)
قال قائلون: هو صلة قوله: (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ) ، والصالحون هم الذين آمنوا باللَّه، وحفظوا حدوده وحلاله وحرامه، (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ) يعني: الصالحين (فَخَلَفَ) لم يحفظوا حدوده ومحارمه.
وقال قائلون: هو صلة ما تقدم من ذكر الأنبياء والرسل؛ كأنه أخبر أنه خلف من بعدهم خلف، يعني: خلف الرسل والأنبياء (وَرِثُوا الْكِتَابَ) ووهو كما ذكر في سورة مريم، وهو قوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) ، وإنما ذكر هذا من بعد ذكر الأنبياء والرسل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرِثُوا الْكِتَابَ) علموا ما فيه.
(يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) .
إن أهل الكتاب كانوا يأخذون الدنيا على أحد وجوه ثلاثة:
منهم من كان يأخذها مستحلّا لها؛ كقوله - تعالى -: (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) .