يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا تَمَرَّدُوا فِيمَا نُهُوا عَنْهُ مِنَ اعْتِدَائِهِمْ فِي السَّبْتِ، وَاسْتِحْلَالِهِمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ صَيْدِ السَّمَكِ وَأَكْلِهِ وَتَمَادَوْا فِيهِ {قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} أَيْ: بُعَدَاءَ مِنَ الْخَيْرِ.
عَنْ قَتَادَةَ:"فَصَارُوا قِرَدَةً لَهَا أَذْنَابٌ تَعَاوَى بَعْدَ مَا كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) }
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِذْ تَأَذَّنَ} وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ آذَنَ رَبُّكَ فَأَعْلَمَ. وَهُوَ تَفَعَّلَ مِنَ الْإِيذَانِ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ:
[البحر الخفيف]
آذَنَ الْيَوْمَ جِيرَتِي بِخُفُوفِ ... صَرَمُوا حَبْلَ آلِفٍ مَأْلُوفِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ آذَنَ: أَعْلَمَ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَوْلُهُ: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ}
يَعْنِي: أَعْلَمَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَى الْيَهُودِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ الْعَرَبُ بَعَثَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ يُقَاتِلُونَ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ وَلَمْ يُعْطِ الْجِزْيَةَ، وَمَنْ أَعْطَى مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ صَغَارًا وَذِلَّةً.
عَنْ سَعِيدٍ:" {سُوءَ الْعَذَابِ} قَالَ: الْخَرَاجُ. وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْخَرَاجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَجَبَى الْخَرَاجَ سَبْعَ سِنِينَ"
[وفي رواية] وَلَمْ يَجْبُ نَبِيُّ الْخَرَاجَ قَطُّ إِلَّا مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ أَمْسَكَ، وَإِلَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَسَرِيعٌ عِقَابُهُ إِلَى مَنِ اسْتَوْجَبَ مِنْهُ الْعُقُوبَةَ عَلَى كُفْرِهِ بِهِ وَمَعْصِيَتِهِ لَهُ.
{وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}