قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ...(145) . أي: من اللوح المحفوظ
(مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) أي: تفصيلاً للوح المحفوظ، يقول تبارك وتعالى:
(فَخُذْهَا) يعني: الألواح والتوراة (بِقُوَّةٍ) أي: بعزم وجزم(وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا
بِأَحْسَنِهَا)أي: بأيسرها، وعلى قدر ما يكشف للعبد من علم ما هو صائر إليه
الغائب الآن على المشاهدة تكلف لذلك من المفيد (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) .
قيل في التفسير: إن المعني بدار الفاسقين هي: مصر، وأرى - والله أعلم - أن دار الفاسقين هو مصيرهم وسبيلهم وجماع شأنهم، ولذلك وصل به قوله: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) سوف أحرمهم الإيمان بها، وإن آمنوا أحرمهم فَهْم كتابي وآياتي، ثم آخذ على وصفهم على ذلك بقوله:
(وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا
سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)
أي: الذين آمنوا وكانوا غافلين، يقول: سأحرم هؤلاء وهؤلاء الفهم
عني، وأصرفهم عن النظر في آياتي وتفهم كتابي.
تقدير الكلام: والذين آمنوا بآياتي وكانوا عنها غافلين حال إيمانهم، فأولئك
أيضًا يصرفهم عن الفهم عنه في كتابه وحكمته في الموجودين إلا من شاء الله
تنبيهه، إذ المتغافل عن النظر في كلام ربه وآياته قد أخذ من معنى الفسق بنصيب،
فإنه ما أنزل الله كتابه ولا خلق السماوات والأرض وما بين ذلك إلا النظر في ذلك،
والعبرة به [ثم] قصد بالإخبار عن المكذبين بقوله: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ... (147) . قال عز من قائل: (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
من تغافل أغفلنا قلبه عن النظر لنفسه بازدياد الإيمان والتطلع إلى
معاهد الموقنين، ومن كذب بآياتي وكتابي أحبطنا أعماله وصيَّرناه إلى سوء المصير.