يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {قَالَ} اللَّهُ لِمُوسَى: هَذَا الَّذِي أَصَبْتُ بِهِ قَوْمَكَ مِنَ الرَّجْفَةِ {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ} مِنْ خَلْقِي، كَمَا أُصِيبُ بِهِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَصَبْتُهُمْ بِهِ مِنْ قَوْمِكَ.
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}
يَقُولُ: وَرَحْمَتِي عَمَّتْ خَلْقِي كُلَّهُمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَخْرَجُهُ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ: وَرَحْمَتِي وَسِعَتِ الْمُؤْمِنِينَ بِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاسْتَشْهَدَ بِالَّذِي بَعْدَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الْآيَةُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ فِي الدُّنْيَا وَعَلَى الْخُصُوصِ فِي الْآخِرَةِ.
عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ:" {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} قَالَا: وَسِعَتْ فِي الدُّنْيَا الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَهِيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا خَاصَّةً"
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ عَلَى الْعُمُومِ، وَهِيَ التَّوْبَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} فَإِنَّهُ يَقُولُ: فَسَأَكْتُبُ رَحْمَتِي الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.
وَمَعْنَى أَكْتُبُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: أَكْتُبُ فِي اللَّوْحِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ التَّوْرَاةُ {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}
يَقُولُ: لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهَ وَيَخْشَوْنَ عِقَابَهُ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ وَالْمَعْصِيَةِ لَهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَيُؤَدُّونَ فَرَائِضَهُ، وَيَجْتَنِبُونَ مَعَاصِيهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِأَنَّهُمْ يَتَّقُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الشِّرْكُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ الْمَعَاصِي كُلُّهَا.
وَأَمَّا الزَّكَاةُ وَإِيتَاؤُهَا، فَقَدْ بَيَّنَا صِفَتُهَا فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ قَالَ: يُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ""
فَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّهُ الْعَمَلُ بِمَا يُزَكِّي النَّفْسَ وَيُطَهِّرُهَا مِنْ صَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ.