ويدل لهذا الوجه الأخير في الآية قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود: 12] ، وقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: 97] ، وقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [الكهف: 6] وقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] .
ويؤيد الوجه الأخير في الآية أن الحرج في لغة العرب: الضيق. وذلك معروف في كلامهم ، ومنه قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ} [النور: 61] ، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وقوله: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} [الأنعام: 125] أي شديد الضيق إلى غير ذلك من الآيات ، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة ، أو جميل:
فخرجت خوف يمينها فتبسمت... فعلمت أن يمينها لم تحرج
وقول العرجبي:
عوجي علينا ربة الهودج... إنك إلا تفعلي تحرجي
والمراد بالإحراج في البيتين: الإدخال في الحرج. بمعنى الضيق كما ذكرنا.
قوله تعالى: {لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ} .
لم يبين هنا المفعول به لقوله النذر ، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} [مريم: 97] ، وقوله: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} [يس: 6] ، إلى غير ذلك من الآيات.
كما أنه بين المفعول الثاني للإنذار في آيات أخر ، كقوله {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} [الكهف: 2] الآية ، وقوله: {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى} [الليل: 14] ، وقوله: {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} [النبأ: 40] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات.